
في هذه الأيام التي يُناقش فيها احتمال شن هجوم جوي على إيران، أرى ضرورة النظر إلى عملية عاصفة الصحراء، إحدى أهم العمليات الجوية في التاريخ القريب، واستذكار ما جرى في الساعات الأولى للهجوم، وأهدافه الاستراتيجية، ونتائجه. ويتضمن النص الآتي تفاصيل العملية التي دمرت مجمل قدرات البنية التحتية العراقية، وأوقعت العراق في مشقة شديدة خلال الفترة التي سبقت غزوه.
تفاصيل الهجوم الجوي في الليلة الأولى
- التاريخ والوقت: بالتوقيت المحلي والتوقيت العالمي المنسق (UTC)
بدأ الهجوم الجوي الأول على العراق في 17 يناير 1991. وأُطلقت نيران افتتاح العملية نحو الساعة 02:38 بالتوقيت المحلي، أي 23:38 بالتوقيت العالمي المنسق يوم 16 يناير 1991، بضرب منشآت رادارات الإنذار المبكر على الحدود العراقية السعودية. وسقطت القنابل الأولى على بغداد قرابة 02:45، أي 23:45 بالتوقيت العالمي المنسق. ووافق ذلك الساعة 18:45 من مساء 16 يناير على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ونقل مراسلو CNN من بغداد هذا الهجوم الجوي الأول مباشرة إلى العالم.
- عدد الطائرات المشاركة وأنواعها ودولها
شاركت قوات التحالف في عملية عاصفة الصحراء بأسطول جوي ضخم جدا. ففي بداية الحرب، حُشد نحو 2430 طائرة ثابتة الجناح على جبهتي الكويت والعراق؛ وتجاوز العدد 2780 قبل بدء العمليات البرية في فبراير 1991. وكانت نحو ثلاثة أرباع هذه القوة طائرات أمريكية تتبع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية، فيما توزعت البقية على المملكة المتحدة والسعودية وفرنسا والكويت ودول حليفة أخرى. ويلخص الجدول الآتي الحجم العام للقوة الجوية للتحالف:
| القوة الجوية للتحالف في يناير 1991 | عدد الطائرات |
| الولايات المتحدة: القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية (USMC) | نحو 1800 (تقدير) |
| بقية دول التحالف: بريطانيا وفرنسا والسعودية وغيرها | أكثر من 600 |
| المجموع عند بداية الحرب | نحو 2430 |
| المجموع في فبراير 1991 | أكثر من 2780 |
ومن حيث الأنواع، تنوعت طائرات التحالف كثيرا. فقد استخدمت الولايات المتحدة في الهجمات مقاتلات F-15 Eagle وF-16 Fighting Falcon وF/A-18 Hornet وA-10 Thunderbolt II، وقاذفات B-52 Stratofortress الاستراتيجية، ومروحيات AH-64 Apache الهجومية، وطائرات F-117 Nighthawk الشبحية التي تتفادى الرادار. وشاركت المملكة المتحدة بقاذفات Tornado GR1 التابعة لسلاح الجو الملكي (RAF)، وعددها نحو 50، وبطائرات الاعتراض Tornado F3. وشاركت القوات الجوية الملكية السعودية بمقاتلات F-15C/D وطائرات Tornado. أما فرنسا، فدفعت بطائرات Mirage 2000 وJaguar الهجومية. وأسهمت أيضا دول مثل كندا بطائرات CF-18 Hornet، وإيطاليا بطائرات Tornado، والكويت بطائرات A-4 Skyhawk التي انتقلت إلى السعودية بعد الاحتلال، بأعداد أقل. وبالمجموع، أقلعت 668 طائرة للتحالف قبل ساعة الهجوم الأولى المحددة، المعروفة بساعة الصفر (H-Hour)، واتجهت إلى أهدافها في العراق.
- الاستراتيجية المتبعة في الهجوم الأول
كانت الأولوية الاستراتيجية للهجوم الجوي الأول تحييد منظومة الدفاع الجوي العراقية المتكاملة، وشل قدرات القيادة والسيطرة. وفي اللحظات الأولى، نفذ التحالف هجوما مكثفا لقمع الدفاعات الجوية (SEAD)، بهدف «إعماء» شبكة الرادار والمدفعية المضادة للطائرات. وبدأ الهجوم متزامنا على مساحة واسعة، بطائرات قادرة على الاختراق العميق: تسللت طائرات F-117A Nighthawk الشبحية منفردة وألقت قنابلها على أهداف عالية القيمة محددة سلفا؛ ودعمتها قاذفات وطائرات هجومية مثل F-111F Aardvark وF-15E Strike Eagle وTornado GR1 وF-16، فضربت أهدافا في مناطق مختلفة. ورافقت هذه الأسراب مقاتلات تفوق جوي مثل F-15C Eagle وF-14 Tomcat، وطائرات Tornado F3 البريطانية للاعتراض، لمنع مقاتلات العدو من التدخل.
واستخدم التحالف حربا إلكترونية مكثفة لقمع الدفاع الجوي العراقي. ودخلت طائرات التشويش الإلكتروني EA-6B Prowler وEF-111A Raven العمل لتعمية الرادارات العراقية. كذلك أطلقت طائرات F-4G «Wild Weasel» التابعة للقوات الجوية الأمريكية، وطائرات F/A-18 Hornet التابعة للبحرية ومشاة البحرية، صواريخ AGM-88 HARM المضادة للرادار، مستهدفة منظومات صواريخ أرض–جو العراقية (SAM). ونتيجة لهذه الضربة الأولى الشاملة، أُسكتت إلى حد كبير الرادارات والصواريخ الدفاعية وبطاريات المدفعية المضادة للطائرات، ومُهّدت الأرضية لإقامة تفوق جوي كامل لطائرات التحالف.
وبالتزامن، هاجم التحالف هياكل القيادة والسيطرة وخطوط الاتصال الحيوية العراقية. واستُهدفت منذ الليلة الأولى مراكز القيادة العسكرية والسياسية ومنشآت الاتصالات ومباني المقار في بغداد، وفق استراتيجية «قطع الرأس». وكان الهدف منع توجيه الجيش العراقي على المستوى الأعلى وترك وحداته بلا تنسيق. وأدت الضربات الدقيقة، خصوصا على مراكز الاتصالات ومقاسم الهاتف ومحطات البث في العاصمة، إلى إرباك القيادة المركزية وقطع تدفق المعلومات معا.
- المواقع المستهدفة في الليلة الأولى
كانت المواقع المستهدفة في الهجوم الجوي الأول عناصر حيوية في القوة العسكرية العراقية. أي إن الضربات الأولى وُجهت إلى أكثر المواضع حساسية. وقد وجّه التحالف في الليلة الأولى ضربات متزامنة إلى فئات الأهداف الآتية:
منشآت الدفاع الجوي
ضُربت بالأولوية رادارات الإنذار المبكر البعيدة المدى، وبطاريات صواريخ أرض–جو من طراز SA-2 وSA-3 وSA-6 وSA-8 ومنظومات Roland الفرنسية، ومواقع المدفعية المضادة للطائرات. ومنع تدمير محطات الرادار، خصوصا في المناطق الحدودية، العراق من رصد الهجوم القادم. وأُدرجت أيضا مراكز عمليات الدفاع الجوي المتكامل حول بغداد ومدن أخرى، مثل منشأة القيادة المركزية في العاصمة، على قائمة الأهداف.
القيادة والسيطرة والاتصالات
قُصفت مقار هيئة الأركان العراقية، وملاجئ القيادة، ومراكز القيادة العليا مثل القصر الجمهوري، ومقاسم الهاتف وأبراج الاتصالات بالموجات الدقيقة وأجهزة الإرسال اللاسلكي، التي تشكل العمود الفقري للاتصالات العسكرية. وفي هذا الإطار، استُهدفت أيضا مباني الاتصالات ومحطة التلفزيون الرسمي في بغداد. وأسفرت الهجمات عن انقطاعات واسعة في شبكات الاتصال في أنحاء البلاد.
القواعد الجوية والطائرات
تعرضت المطارات الرئيسية للقوات الجوية العراقية، مثل طليل والقادسية (الحبانية) وتكريت والمطارات المحتلة في الكويت، لضربات مكثفة. ودُمرت المدارج بقنابل موجهة بالليزر فأصبحت غير صالحة للاستخدام، وقُصفت الطائرات في حظائرها ومستودعات الوقود. وكان المقصود تقييد إقلاع الطائرات العراقية وإمدادها.
المنشآت العسكرية الاستراتيجية
ضُربت في الليلة الأولى أيضا منشآت أسلحة الدمار الشامل العراقية المعروفة أو المحتملة. واستهدفت الغارات خصوصا مواقع يُقدّر أنها مراكز لإنتاج أسلحة كيميائية وبيولوجية، مثل المنشآت الكيميائية قرب سامراء. كذلك جرى البحث عن منصات صواريخ سكود ومناطق تخزينها ومحاولة تدميرها، خصوصا في صحراء غرب العراق، أي المناطق التي تهدد إسرائيل والسعودية. وكان من الصعب القضاء تماما على منصات سكود المتحركة؛ فقد نجت بعضها من الليلة الأولى ونفذت عمليات إطلاق في الأيام التالية.
البنية التحتية والأهداف اللوجستية
ضرب التحالف أيضا بنية تحتية حيوية لكسر قدرة العراق على مواصلة الحرب. وتعرضت محطات توليد الكهرباء والتحويل للهجوم منذ الليلة الأولى، مما سبب انقطاعات كهربائية في مناطق كثيرة، وعلى رأسها بغداد. وكانت مصافي النفط ومستودعات الوقود أهدافا استراتيجية أيضا؛ وأدى قصف المصافي إلى خفض قدرة العراق على إنتاج الوقود. واستُهدفت في الموجة الأولى قواعد الإمداد الرئيسية ومستودعات الذخيرة والمخازن العسكرية، ولا سيما المنشآت خلف الجبهة مثل التاجي وأبو غريب. وضُربت كذلك بعض الجسور وخطوط النقل في الليلة الأولى، خصوصا لعرقلة نقل الوحدات العسكرية.
وشوهدت طوال الليلة الأولى انفجارات متواصلة في مناطق كثيرة، منها بغداد. وتلقت المباني الحكومية، وبنية الاتصالات، والمطارات، والقصور الرئاسية، والقواعد العسكرية، ومحطات الطاقة، ومنشآت الإنتاج العسكري ضربات متتالية. وأحدث هذا القصف المكثف صدمة كبيرة في آليات الدفاع والإدارة العراقية، فأعطى التحالف التفوق الاستراتيجي منذ بداية الحرب.
- عدد الطلعات وأنواع الذخائر المستخدمة
نفذت قوات التحالف في الهجوم الأول موجة طلعات كثيفة ومخططة. وخلال الساعات الـ24 الأولى، نُفذت نحو 2775 طلعة. وشملت هذه الحركة توالي القاذفات والمقاتلات القاذفة بمختلف أنواعها إلى الأهداف، وبقاء طائرات الدعم، مثل الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا (AWACS)، والتزود بالوقود، والحرب الإلكترونية، في الجو باستمرار. وبالنظر إلى الليلة الأولى وحدها، يمكن القول إن التحالف أطلق مئات الطائرات في موجات متعاقبة وفق نسق عمل مستمر على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع. وتألفت الذخائر المستخدمة من واحدة من أكثر توليفات السلاح تقدما مما استُخدم معا حتى ذلك الوقت. ومن أبرزها:
الصواريخ الجوالة
في افتتاح العملية، نفذت الوحدات البحرية الأمريكية هجوما مكثفا برشقات صواريخ BGM-109 Tomahawk الجوالة. وخلال الساعات الأولى، أطلقت بحرية التحالف 52 صاروخ توماهوك إجمالا، من الطراد USS San Jacinto في البحر الأحمر، والطراد USS Bunker Hill والسفينتين الحربيتين المدرعتين USS Wisconsin وUSS Missouri في الخليج. وأصابت هذه الصواريخ من مدى بعيد أهدافا عالية الأولوية في بغداد، مثل المباني الحكومية ومراكز الاتصالات ومحطات الطاقة، بضربات دقيقة. كذلك ضربت قاذفات B-52G Stratofortress الأمريكية أهدافا في عمق العراق بصواريخ AGM-86C CALCM الجوالة المطلقة من الجو، التي أطلقتها من الأجواء السعودية؛ ففي اليوم الأول، أطلقت 7 طائرات B-52 ما مجموعه 35 صاروخ CALCM.
القنابل الموجهة
استخدم التحالف قنابل موجهة بالليزر، خصوصا للأهداف الحساسة. وضربت طائرات F-117A Nighthawk أهدافا مهمة في بغداد بمعدل إصابة مرتفع، باستخدام قنابل GBU-27 Paveway III الموجهة بالليزر. وبالمثل، استخدمت طائرات F-111F وF-15E ذخائر موجهة بالليزر. واستُخدمت أيضا في بعض الأهداف قنابل موجهة بمقياس المدى أو بالتلفزيون، مثل AGM-62 Walleye أو GBU-15. وبفضل الذخائر الموجهة، حاول التحالف تدمير الأهداف المختارة بضربات دقيقة لتقليل الخسائر المدنية.
الصواريخ المضادة للرادار
استُخدمت صواريخ AGM-88 HARM المضادة للإشعاع بكثافة لقمع شبكة الدفاع الجوي العراقية. واستهدفت هذه الصواريخ، المطلقة من طائرات F/A-18 Hornet وEA-6B Prowler، بطاريات صواريخ أرض–جو التي تبث إشارات رادارية نشطة. وأطلق التحالف خصوصا في اليوم الأول مئات صواريخ HARM، فعطّل رادارات كثيرة قبل أن تتمكن من إطلاق الصواريخ. وهكذا «نُزعت أنياب» منظومة الدفاع الجوي المتكاملة العراقية.
القنابل التقليدية
استُخدمت في العملية على نطاق واسع أيضا قنابل الأغراض العامة التقليدية، مثل Mk-82 وMk-84، التي تقل تطورا تقنيا عن الذخائر الموجهة، لكنها شكّلت قسما كبيرا من الكمية المستخدمة. ونفذت قاذفات B-52 الاستراتيجية قصفا بساطيا مكثفا، خصوصا على الخنادق والوحدات المدرعة والأهداف اللوجستية على خط الجبهة، وأمطرتها بأطنان من المتفجرات الشديدة التدمير. وشكّلت هذه الذخائر التقليدية معظم قنابل التحالف، ويُقدّر أن مجموع وزن القنابل بلغ نحو 88500 طن. واستخدم التحالف أيضا عند الحاجة قنابل عنقودية وذخائر خاصة شديدة التأثير، مثل BLU-82 «Daisy Cutter».
ذخائر وأسلحة أخرى
ضربت مروحيات AH-64 Apache منشآت الرادار بصواريخ Hellfire في الليلة الأولى. واستخدمت طائرات A-10 Thunderbolt II وAV-8B Harrier صواريخ AGM-65 Maverick وقذائف مدافع عيار 30 و25 ملم ضد الأهداف المدرعة. ونفذت السفينتان المدرعتان Missouri وWisconsin قصفا ثقيلا بمدافعهما البحرية على أهداف برية. واستهدف الجمع بين هذه المنظومات المختلفة في الهجوم الأول إحداث أثر «الصدمة والترويع» على قوة الدفاع العراقية.
باختصار، كان استخدام التحالف للطلعات والذخائر بالغ الكثافة منذ الليلة الأولى. ونتيجة نحو 2800 طلعة في اليوم الأول، أصابت آلاف القنابل والصواريخ أهدافا جوية وبرية واتصالية عراقية. واستمر هذا المعدل المرتفع في أيام العملية التالية.
- نقاط إقلاع الطائرات: القواعد وحاملات الطائرات
نُفذت العملية الجوية لعاصفة الصحراء من قواعد ومنصات موزعة على نطاق جغرافي واسع. وأقلعت طائرات التحالف أساسا من قواعد جوية في السعودية. ومن أهم قواعد العمليات الظهران والرياض والطائف وخميس مشيط وقاعدة الملك فهد. فمثلا، عمل سرب F-117A الشبحي من قاعدة خميس مشيط في غرب السعودية. واستخدمت قوات الدول الحليفة أيضا مطارات مختلفة في المنطقة، مثل قاعدة المحرق في البحرين لطائرات Tornado البريطانية، وقاعدة الأسنام في السعودية للطائرات الفرنسية.
وكانت حاملات الطائرات أيضا من العناصر الحاسمة للعملية. ونفذت البحرية الأمريكية غارات جوية أقلعت بالتزامن من الخليج والبحر الأحمر. وبحلول ليلة الهجوم الأولى، كانت 6 حاملات طائرات تعمل في المنطقة:
في الخليج: أرسلت حاملتا USS Midway (CV-41) وUSS Theodore Roosevelt (CVN-71) طائرات F/A-18 وA-6 وF-14 من داخل مياه الخليج إلى أهداف في العراق والكويت.
في البحر الأحمر: نفذت حاملات USS Ranger (CV-61) وUSS John F. Kennedy (CV-67) وUSS Saratoga (CV-60) غارات من شمال البحر الأحمر باتجاه غرب العراق والكويت. وشاركت حاملة USS America (CV-66) أيضا من موقعها الأول في البحر الأحمر، ثم انتقلت إلى الخليج في أيام الحرب اللاحقة.
وشاركت طائرات الأسراب المنطلقة من هذه الحاملات، مثل F-14 وF/A-18 وA-7 وEA-6B، في الهجمات، داعمة من جهة البحر القوات المنطلقة من القواعد البرية. وبذلك واجه العراق هجوما جويا على جبهتين، من الجنوب والغرب.
أما القاذفات الاستراتيجية الأمريكية، فعملت انطلاقا من قواعد خارج المنطقة. ومن الأمثلة اللافتة إقلاع 7 طائرات B-52 من قاعدة باركسديل الجوية في لويزيانا، وتحليقها دون توقف 35 ساعة وقطعها 14000 ميل، لضرب أهدافها في العراق والعودة إلى الولايات المتحدة. وسُجلت هذه العملية ضمن أبعد الهجمات الجوية مدى آنذاك، وأظهرت القوة الجوية الأمريكية العالمية.
- الطقس والظروف البيئية
نُفذ الهجوم الجوي الأول ليلا وفي ظروف جوية صعبة إلى حد ما. وكانت بغداد مظلمة تماما عند الهجوم، لأن الساعة المحلية كانت 02:45 ليلا. وكان القمر قد غاب بالفعل قبل الهجوم في تلك الليلة. ولذلك، كانت الإضاءة الطبيعية في أدنى مستوياتها وساد الظلام. وكان ذلك، بالطبع، اختيارا متعمدا؛ فالظلام صعّب اكتشاف طائرات التحالف، وخصوصا الشبحية، وزاد أثر المفاجأة.
ومن حيث الطقس، كانت هناك طبقات سحابية فوق السعودية تمتد شمالا إلى سماء العراق. ورغم خفضها مستوى الرؤية في بعض المناطق، لم تعرقل المفهوم العام للعملية. واستطاعت الطائرات المتقدمة، مثل F-117، التحليق فوق السحب وضرب أهدافها بتوجيه دقيق. وفي المقابل، حدّت السحب أيضا من إمكانات التحقق البصري والتتبع الضوئي لدى الجانب العراقي.
مع بدء العملية، دوت صفارات الإنذار في بغداد، وقُطعت شبكة الكهرباء احترازيا، فغرقت معظم المدينة في الظلام. وعند بدء الهجوم الجوي، شرعت الدفاعات العراقية في مسح السماء بالكشافات القوية ونيران مضادة للطائرات كثيفة. وأضاءت السماء المظلمة ومضات القذائف المتتبعة ونيران الصواريخ والقذائف المضادة للطائرات المتفجرة تباعا. ونقل مراسلو CNN مباشرة إلى العالم، لحظة بلحظة، الانفجارات الظاهرة في أفق بغداد والنيران الكثيفة المضادة للطائرات الصاعدة إلى السماء.
في المجمل، استُخدمت عتمة الليل والطقس المناسب لتنفيذ الهجوم الأول. وبفضل تفوقه التقني، نفذ التحالف العملية بنجاح حتى مع ضعف الرؤية، باستخدام أنظمة الرؤية الليلية، والاستهداف بالأشعة تحت الحمراء، والتوجيه الدقيق. ولم يشكل الطقس عائقا خطيرا؛ بل خدم التحالف جزئيا. أما الجانب العراقي، فاضطر إلى الدفاع في الظلام وتحت سحب جزئية.
- استجابة الدفاع الجوي العراقي وحالة منظومات الرادار
رغم اتخاذ الدفاع الجوي العراقي إجراءات مضادة عدة عند بدء الهجوم الأول، فإنه بقي عاجزا إلى حد كبير أمام ضغط التحالف الساحق. وفي افتتاح العملية، دمرت 8 مروحيات أمريكية AH-64 Apache، تسمى «قوة مهام نورماندي»، قاعدتين حيويتين لرادارات الإنذار المبكر على حدود العراق الجنوبية بغارة مباغتة. ووجهت هذه الضربة غير المتوقعة الصدمة الأولى إلى شبكة الدفاع الجوي، وأزالت قدرتها على الإنذار بالهجوم الواسع المقبل.
عندما ظهرت أولى طائرات التحالف فوق بغداد ومدن أخرى، ردت القوات العراقية بنيران كثيفة مضادة للطائرات. وأطلقت وحدات الدفاع الجوي تباعا صواريخ SA-2 وSA-3 وSA-6 ضد التهديدات المتجهة إلى المدن، وأمطرت المدافع المضادة للطائرات السماء بآلاف القذائف. وبدت هذه القذائف المتتبعة في سماء بغداد في صور الكاميرات كأنها وابل ألعاب نارية. لكن هذا «السد الناري» المكثف لم يؤثر إلا بصورة محدودة في طائرات التحالف. وواجهت صواريخ أرض–جو العراقية السوفيتية الصنع والقديمة، الموجهة بالرادار، صعوبة في إصابة طائرات التحالف المجهزة بالحرب الإلكترونية وإجراءات الخداع. ويظهر عجز الدفاع الجوي العراقي في أن التحالف لم يخسر سوى 75 طائرة، منها 42 بنيران العدو، مقابل أكثر من 100000 طلعة.
وشُلّت إلى حد كبير منظومة الدفاع الجوي العراقية المتكاملة، المعروفة بشبكة «KARI» التي أنشأتها شركة Thomson-CSF الفرنسية، بفعل هجوم التحالف. ودمرت هجمات طائرات Wild Weasel مراكز رادار كثيرة قبل أن تتمكن من استخدام صواريخها بفعالية كاملة. وخلافا لتكتيكات فيتنام الشمالية في حرب فيتنام، أبقى مشغلو صواريخ أرض–جو العراقيون راداراتهم مفتوحة وحاولوا توجيه الصواريخ. فجعلهم ذلك أهدافا مكشوفة لصواريخ AGM-88 HARM. وبسبب تأخرهم في إطفاء الإشارات الرادارية، ضُربت بطاريات كثيرة قبل بلوغ مرحلة إطلاق الصواريخ. وأُطلقت أيضا صواريخ دفاع جوي محمولة على الكتف (MANPADS) مثل SA-7/14، لكنها لم تكن فعالة كثيرا ضد الطائرات النفاثة على ارتفاعات عالية في ظلام الليل.
ومن أحداث الليلة الأولى المهمة محاولة محدودة للقوات الجوية العراقية لتنفيذ عمليات مضادة. فمع بدء الهجوم، حاولت بعض المقاتلات العراقية، مثل MiG-29 وMiG-25، الإقلاع. ومن ذلك إطلاق مقاتلة MiG-25 Foxbat، يقودها طيار عراقي متمرس، صاروخا من مدى بعيد على هدف ظهر على رادارها، وإسقاطها طائرة F/A-18C Hornet للبحرية الأمريكية. وقُتل في الهجوم الطيار الأمريكي النقيب سكوت سبايكر، وكانت الواقعة أول خسارة جوية للتحالف. لكن، عدا هذا النجاح المنفرد، بقيت مقاومة القوات الجوية العراقية ضعيفة جدا. ولم تدخل معظم الطائرات العراقية القتال، باستثناء اشتباكات قليلة. وفي الأيام اللاحقة، أرسلت القيادة العراقية جزءا مهما من طائراتها إلى إيران حفاظا عليها. ولجأت أكثر من 115 طائرة عراقية إلى الأراضي الإيرانية طوال الحرب.
واصلت المدفعية العراقية المضادة للطائرات إطلاق نيران كثيفة طوال الهجوم الجوي. ولا سيما في بغداد، أرسلت بطاريات عيار 23 و57 ملم آلاف القذائف إلى السماء كل دقيقة. لكن طياري التحالف غيّروا ارتفاعاتهم وتكتيكاتهم سريعا إزاء هذا السد الناري، واتجهوا إلى الانقضاض من ارتفاعات أعلى وأكثر أمانا بدلا من التحليق المنخفض الخطر. فتراجعت فعالية النيران المضادة للطائرات أكثر.
وفي النهاية، لم تكف استجابة الدفاع الجوي العراقي لصد الهجوم الأول. وخلال الليلة الأولى، فكك التحالف شبكة الرادار العراقية إلى حد كبير، وأسكت بطاريات صواريخ أرض–جو كثيرة، واستولى على التفوق الجوي. وفقدت منظومة الدفاع المتكاملة تنسيقها؛ ورغم نجاة بعض منشآت القيادة المركزية من الضربة الأولى، مثل المقر الرئيسي للدفاع الجوي في بغداد الذي واصل العمل فترة قصيرة، أصبحت القدرات الدفاعية في أنحاء البلاد محلية ومشتتة. وبنهاية الساعات الـ24 الأولى، صار التحالف يسيطر فعليا على الأجواء العراقية.

المسار العام للعملية ونتائجها
إجمالي الطلعات والذخائر المستخدمة: إحصاءات عامة
انتهت عاصفة الصحراء بعملية برية قصيرة، بعد حملة قصف جوي مكثفة استمرت خمسة أسابيع. وكانت الحصيلة الإجمالية للعملية الجوية لافتة للغاية. فقد نفذت طائرات التحالف أكثر من 100000 طلعة خلال الهجمات بين 17 يناير و28 فبراير 1991، وألقت 88500 طن من القنابل إجمالا. وتجعل هذه الأرقام الحملة إحدى أكثف عمليات القصف الجوي الاستراتيجي حتى ذلك الوقت. ويلخص الجدول الآتي بعض إحصاءاتها العامة:
| المؤشر: العملية الجوية لعام 1991 | القيمة |
| إجمالي طلعات التحالف | أكثر من 100000 طلعة |
| إجمالي وزن القنابل الملقاة | نحو 88500 طن |
| إجمالي صواريخ توماهوك الجوالة المطلقة | 288 صاروخا من 290 محاولة |
| صواريخ توماهوك التي أصابت أهدافها | 242 صاروخا أصابت أهدافها |
| خسائر التحالف من الطائرات في العملية الجوية | 75 طائرة: 42 في القتال و33 في حوادث |
تكشف البيانات السابقة القدرة التدميرية للحملة الجوية وفعاليتها معا. ورغم انخفاض نسبة استخدام الذخائر الموجهة بدقة نسبيا، إذ كانت معظم الذخائر قنابل تقليدية، فقد أدت هذه الأسلحة الدقيقة دورا حاسما في الأهداف الحيوية. فمثلا، ضربت طائرات F-117A الشبحية وحدها قرابة 40% من جميع الأهداف، ونفذت أكثر من 1270 طلعة طوال الحرب وعادت دون أن تخطئ أيا من أهدافها، ودون خسائر. ويُظهر ذلك نجاح مفهوم الضربات الدقيقة.
أطلقت بحرية التحالف 290 صاروخ توماهوك جوالا إجمالا طوال الحرب. وأصاب نحو 242 منها أهدافه بنجاح، فيما تعطل الباقي أو لم يجد هدفه. وكان ذلك أول استخدام واسع النطاق للصواريخ الجوالة آنذاك، وأظهر فعالية كبيرة.
حافظ التحالف على انخفاض شديد في خسائره خلال العملية الجوية. فقد خسر 75 طائرة ثابتة ودوارة الجناح إجمالا، منها 42 فقط بنيران العدو. وبعبارة أخرى، لم ينجح الدفاع الجوي والبري العراقي إلا في جزء ضئيل جدا من إجمالي طلعات التحالف، يعادل 4 بالألف. وأدى التفوق التقني للتحالف، وعمليات قمع الدفاعات الجوية المخططة جيدا، وقصور الدفاع الجوي العراقي، دورا مهما في هذا النجاح.
الآثار المدمرة على البنية التحتية العراقية
ألحقت حملة القصف الجوي أضرارا كبيرة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في العراق، إلى جانب الأهداف العسكرية. ولا سيما أن تدمير منظومات الكهرباء والاتصالات، المستهدفة منذ الأيام الأولى، سرعان ما ترك أثرا شمل البلاد كلها.
شبكة الكهرباء: شملت استراتيجية التحالف إسقاط قدرة العراق على توليد الكهرباء مؤقتا أو دائما. ورغم استخدام قنابل ألياف الغرافيت في البداية لإحداث قصر كهربائي وانقطاعات مؤقتة في بعض المحطات، عُطلت هذه المحطات لاحقا بالكامل بالقنابل التقليدية. وقُصفت، مثلا، منشآت بغداد الرئيسية لتوليد الطاقة، مثل محطة الدورة الحرارية، تباعا. ووفقا لتقرير للقوات الجوية الأمريكية، انخفض التوليد الوطني العراقي إلى ما يقارب الصفر في الأسابيع الأولى. وتضررت جميع المحطات الكبرى أو توقفت. وأغرق ذلك المدن في الظلام، وعطّل خدمات البنية التحتية الحيوية. ومع غياب الكهرباء، توقفت أيضا منشآت تنقية المياه وضخها، فواجهت جماهير واسعة صعوبة في الحصول على مياه شرب نظيفة، وانهارت منظومات الصرف الصحي والمعالجة.
وأشارت تقييمات ما بعد الحرب إلى أن انهيار الشبكة الكهربائية تسبب بأزمة مياه وصرف صحي هددت الصحة العامة بشدة.
بنية النقل والصناعة: استهدفت الغارات شبكة النقل العراقية أيضا. فقصف التحالف جسورا وطرقا استراتيجية لتقييد حركة الوحدات العسكرية وإمدادها. ودُمرت، مثلا، جسور رئيسية تربط بغداد بالمدن الجنوبية بقنابل موجهة بالليزر. ووُجدت مواضع القصف على طرق مهمة، مثل طريق البصرة–بغداد السريع، مدمرة بعد الحرب. وضُربت أيضا منشآت سكك حديدية وجسور قطارات في بعض المناطق. كذلك استُهدفت مصافي النفط، مثل بيجي والمسيب والبصرة، ومنشآت البتروكيميائيات التي تمثل شرايين الاقتصاد العراقي، حتى أوشك الإنتاج على التوقف. وتضررت المصانع ومنشآت إنتاج السلاح والمخازن بشدة، مثل مصانع المركبات العسكرية وورش الذخيرة. وذكر تقرير في الموضوع أن البنية الصناعية العراقية تعرضت بنهاية الحرب لدمار يقارب مستوى ما شهدته أوروبا في الحرب العالمية الثانية.
منظومات الاتصالات: نفذت قوات التحالف، إلى جانب ذلك، هجمات مخططة لعزل العراق عسكريا ومدنيا من حيث الاتصال. ففي الساعات الأولى، ضُربت مباني مقاسم الهاتف الرئيسية في بغداد، مثل مقسم المأمون، وأبراج الاتصالات بالموجات الدقيقة بقنابل موجهة. وعُطلت المحطات الأرضية للأقمار الصناعية التي تشكل بوابة البلاد للاتصال الدولي. وقُصفت مرسلات الإذاعة والتلفزيون الرسميين، مثل مركز تلفزيون بغداد، فقُطع البث. وأصابت هذه الهجمات الاتصالات الداخلية بضربة كبيرة. وواجهت وحدات الجيش صعوبة في تلقي تعليمات القيادة العليا، ولم يعد الجمهور يحصل على معلومات راهنة. وتعطلت شبكة الهاتف المدني أسابيع أيضا. ولم يكن من الممكن إصلاح هذا الضرر في البنية الاتصالية بالكامل لفترة طويلة بعد الحرب، فتشكلت بيئة معلوماتية معزولة في العراق.
المياه والصرف الصحي: رغم عدم استهدافها مباشرة، تضررت منظومات توزيع المياه بانهيار البنى التحتية للكهرباء والنقل. ولأن المضخات الكهربائية لم تعمل، تعذر تزويد الشبكات الحضرية بالمياه وتوقفت محطات التنقية. وسرعان ما ظهر شح المياه النظيفة في مدن كثيرة، وعلى رأسها بغداد. واضطرت منظومات الصرف إلى طرح المياه العادمة في الأنهار والشوارع دون معالجة. وأوجد ذلك مخاطر خطيرة لأوبئة ما بعد الحرب، مثل الكوليرا والتيفوئيد. وتسجل تقارير المراقبة الأممية تعمق أزمة المياه والصرف الصحي في مناطق عراقية كثيرة بحلول صيف 1991.
باختصار، أحدثت عاصفة الصحراء دمارا هائلا في البنية التحتية العراقية. وبنهاية الحرب، كانت منشآت توليد الكهرباء وشرايين النقل وخطوط الاتصال والمنشآت الصناعية قد تضررت إلى حد كبير. ولم يؤثر ذلك في القدرة العسكرية وحدها، بل في الحياة اليومية للشعب العراقي بعد عام 1991 بعمق أيضا. ومن نواح كثيرة، أصبحت عناصر البنية التحتية التي جعلت العراق بلدا حديثا غير عاملة بعد أسابيع قليلة من القصف المكثف.
الخسائر المدنية والنتائج الاقتصادية
الخسائر المدنية
تكبد المدنيون العراقيون أيضا، للأسف، خسائر في الأرواح خلال حرب الخليج عام 1991. ووفقا للتقديرات الرسمية مباشرة بعد الحرب، قُتل 2278 مدنيا وجُرح 5965 في العراق. وهذه أعداد الخسائر التي أمكن رصدها نتيجة مباشرة للقصف. ورفعت بعض الوقائع الخسائر المدنية فجأة بصورة كبيرة: فمثلا، حين ضربت طائرات التحالف ملجأ العامرية في بغداد ليلة 13 فبراير 1991، قُتل ما لا يقل عن 408 مدنيين كانوا داخله، من النساء والأطفال. وسُجلت المأساة ضمن أكبر وقائع الخسائر المدنية في الحرب. وبالمثل، أُفيد بمقتل نحو 50 إلى 150 مدنيا يوم 17 فبراير في الفلوجة، حين أخطأت قنابل موجهة بالليزر أُطلقت على جسر هدفها وسقطت على منطقة سوق قريبة.
ووقعت أيضا خسائر مدنية حتمية في مدن ومناطق أخرى تعرضت لقصف مكثف. ففي البصرة والناصرية وضواحي بغداد وغيرها، جُرح أو قُتل مئات المدنيين بسبب شظايا أصابت الملاجئ وانفجارات ثانوية. وزادت آثار الحرب غير المباشرة الوفيات المدنية بعد انتهائها، ولا سيما بفعل تدمير البنية التحتية. وتسبب غياب المياه النظيفة والخدمات الصحية بمرض أطفال كثيرين ووفاتهم عام 1991 وفي السنوات التالية. وتشير مصادر مستقلة إلى أن مجموع الوفيات المدنية المباشرة وغير المباشرة في العراق قد يبلغ عشرات الآلاف. وأفادت منظمات حقوقية مثل Middle East Watch بحدوث أزمة إنسانية كبيرة في العراق نتيجة حرب 1991، وتضاعف وفيات الأطفال دون الخامسة.
الخسائر العسكرية
تكبد الجيش العراقي أيضا خسائر بشرية فادحة. ورغم الخلاف حول الأرقام الدقيقة، تشير التقديرات إلى مقتل 20000 إلى 30000 جندي عراقي في القتال. ولا سيما خلال العملية البرية، قُتل آلاف الجنود في وقائع مثل تدمير الأرتال المنسحبة على ما عُرف بـ«طريق الموت». وعلى جانب التحالف، أُفيد بمقتل نحو 240 عسكريا إجمالا، منهم 148 أمريكيا و47 بريطانيا وأعداد أقل من الحلفاء الآخرين. وعند جمع جميع الخسائر المدنية والعسكرية، ذكر تحليل لمشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط (MERIP) أن حصيلة الحرب البشرية قاربت 100000 قتيل ونحو 5 ملايين نازح، إلى جانب أضرار مادية هائلة.
الآثار الاقتصادية
ألحقت حرب الخليج بالاقتصاد العراقي أضرارا لم يكن ممكنا تعويضها لسنوات. وكان الاقتصاد في وضع صعب بسبب الحظر حتى قبل الحرب مباشرة، ثم انهار تقريبا مع دمار القصف. وتُقدر القيمة الإجمالية للأضرار المادية للحرب في العراق بأكثر من 200 مليار دولار أمريكي. ويشمل ذلك تدمير البنية التحتية، وخسارة الإنتاج الصناعي، وانقطاع عائدات تصدير النفط، والركود الاقتصادي العام الناتج عن الحرب.
انخفض الناتج المحلي الإجمالي للعراق عام 1991 بصورة حادة مقارنة بالعام السابق، مع تقديرات بانكماش يقارب 50%. وبسبب التوقف الكامل لصادرات النفط، مصدر الدخل الرئيسي، نتيجة الحظر، حُرمت خزينة الدولة من الإيرادات. وعند نهاية الحرب، صارت الحكومة تواجه صعوبة في دفع رواتب الموظفين، وظهر التضخم المفرط. وفقد الدينار العراقي قيمته سريعا، وانتقلت السلع الاستهلاكية الأساسية إلى السوق السوداء. وارتفعت البطالة أيضا، لأن مصانع وشركات كثيرة إما دُمرت بالقصف أو أصبحت عاجزة عن الإنتاج.
تدهورت مستويات المعيشة في العراق بحدة بعد الحرب. وأُفقرت الطبقة الوسطى إلى حد كبير؛ وصار أكاديميون يحاولون كسب عيشهم بقيادة سيارات الأجرة. وانهارت قطاعات مثل التعليم والصحة بسبب نقص البنية التحتية والموارد. ووفقا لتقارير اليونيسف، ساءت تغذية الأطفال وصحتهم بشدة بين عامي 1990 و1991، وتضاعفت وفيات من هم دون الخامسة، وحدث قسم كبير من ذلك في ظروف الحظر بعد الحرب. كذلك أثرت الأضرار البيئية للحرب، مثل إحراق آبار النفط الكويتية وانبعاث المواد السامة من المنشآت الصناعية، سلبا على الزراعة والصحة العامة العراقية على المدى الطويل.
عقوبات ما بعد الحرب والحظر الأممي
بعد حرب الخليج عام 1991، استمر التطبيق الصارم للعقوبات الدولية المفروضة مسبقا على العراق بسبب احتلاله الكويت. وكان مجلس الأمن الدولي قد بدأ بالفعل فرض حظر اقتصادي شامل بالقرار 661 الصادر في 6 أغسطس 1990، بعد غزو العراق للكويت في 2 أغسطس مباشرة. وحظرت العقوبات تصدير جميع السلع والمنتجات إلى العراق واستيرادها منه، باستثناء الإعفاء الإنساني للغذاء والمواد الطبية، وجمدت أصول الحكومة العراقية في الخارج. واستمر الحظر، الذي بقي ساريا خلال الحرب، بعد انتهائها بشروط جديدة.
حُددت شروط وقف إطلاق النار الرسمي الذي أنهى حرب الخليج بقرار مجلس الأمن 687 في أبريل 1991. وبموجبه، كان على العراق قبول تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل لديه، النووية والبيولوجية والكيميائية، وكل صواريخه التي يتجاوز مداها 150 كيلومترا. ونُص صراحة على استمرار العقوبات الاقتصادية حتى الامتثال الكامل لهذه الشروط. أي إن الحظر لم يُرفع بعد الحرب، بل رُبط بمسار نزع السلاح العراقي.
ورغم بدء العراق في هذه الفترة تدمير أسلحته الكيميائية وصواريخ سكود تحت إشراف المفتشين الأمميين، لم يُخفف الحظر لعدم إرساء ثقة كاملة. وظل الاقتصاد العراقي تحت هذا الحظر الصارم طوال التسعينيات. وفي بلد يُمنع من بيع النفط والتجارة الخارجية وتُقيّد مصادر دخله، تدهور الوضع الإنساني تدريجيا. ووثقت تقارير أممية تضاعف وفيات الأطفال طوال التسعينيات، والانخفاض الكبير لدخل الفرد، ومعاناة قطاع مهم من السكان سوء التغذية وغياب المياه النظيفة. وغابت الأدوية الأساسية عن المستشفيات، واستمر شح الكهرباء، وحُرم التعليم من مستلزماته الضرورية.
ومع ارتفاع الانتقادات الدولية للآثار الإنسانية للحظر، أقرت الأمم المتحدة عام 1995 برنامج «النفط مقابل الغذاء» (Oil-for-Food). وسمح البرنامج، الذي أُطلق بقرار مجلس الأمن 986، للعراق بتصدير كمية محدودة من النفط وإنفاق عائداتها، تحت رقابة أممية، على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. ورغم توفيره بعض الانفراج بعد بدء تطبيقه عام 1996، لم يرفع معاناة العراقيين بالكامل. وبقيت منتجات كثيرة محتملة الاستخدام المزدوج، مثل بعض المواد الكيميائية وقطع الغيار، على قائمة الحظر.
وفي المحصلة، بقي الحظر الأممي على العراق حتى عام 2003، لمدة 12 عاما إجمالا. وبعد غزو العراق، أي حرب الخليج الثانية، الذي بدأ في مارس 2003، وإسقاط نظام صدام حسين، قرر مجلس الأمن رفع الحظر في 22 مايو 2003. لكن فترة العقوبات بين 1991 و2003 تُذكر بوصفها واحدة من أشد حالات العزل الاقتصادي وأطولها على دولة في التاريخ الحديث. وخلالها، بلغت خسائر العراق الاقتصادية مئات مليارات الدولارات، وتضرر النسيج الاجتماعي بشدة. وأثارت الآثار المدنية غير المتناسبة للعقوبات لاحقا نقاشات واسعة؛ واستقال مسؤولون، مثل مساعد الأمين العام للأمم المتحدة دينيس هاليداي، احتجاجا على الحظر بسبب الأزمة الإنسانية العراقية. وظل الإرث المدمر لحرب الخليج الأولى، التي بدأت عام 1991، محسوسا في العراق طويلا. فقد أدت النتائج المباشرة للعملية العسكرية والعقوبات الدولية اللاحقة إلى انهيار العراق اقتصاديا واجتماعيا. وتركت الأحداث أيضا آثارا دائمة في النقاشات العالمية بشأن استراتيجيات الحرب والقانون الإنساني.
