
دفعت هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات على السفن المتجهة إلى إسرائيل عبر باب المندب، وعلى إسرائيل مباشرة، في الفترة التالية لـ7 أكتوبر، الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شن هجمات مضادة واسعة. واستهدف البلدان مواقع الحوثيين بشدة في أواخر ديسمبر 2024 ومارس 2025. ورغم القول إن الهدف الأساسي ضمان أمن باب المندب والبحر الأحمر، فإن التصريحات الأخيرة، خصوصا الأمريكية، التي تستهدف إيران عبر الحوثيين، طرحت سؤالا عما إذا كانت الهجمات بمنزلة «تدريب» لعملية جوية محتملة ضد إيران.
وبالفعل، عقب الهجوم الأمريكي في 15 مارس، حذر ترامب إيران من مواصلة دعم الحوثيين، وقال: «سيُرد على أي هجوم أو رد انتقامي ينفذه الحوثيون بقوة كبيرة. وستُحمّل إيران مسؤولية أي هجوم حوثي، وستكون العواقب وخيمة». وهكذا حوّلت الولايات المتحدة العملية إلى استعراض ردع إقليمي.
وفي ديسمبر 2024 أيضا، ألقت 14 طائرة حربية إسرائيلية 60 قنبلة على أهداف في صنعاء، بعد ساعة فقط من هجوم الحوثيين الباليستي في 19 ديسمبر، وقالت إسرائيل إنها استهدفت منشآت تُخزن فيها أسلحة آتية من إيران. وفي 26 ديسمبر، شنت هجوما أوسع، ضربت فيه مطار صنعاء وموانئ الحديدة والصليف ورأس كثيب ومنشآت الطاقة، فتسببت بمقتل 6 أشخاص وجرح أكثر من 40. وقال مدير منظمة الصحة العالمية، الذي كان في المطار وقت الهجوم، إن «انفجارات تصم الآذان» وقعت هناك.
وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن الحوثيين أطلقوا منذ عام 2023 أكثر من 200 صاروخ باليستي ونحو 170 طائرة مسيّرة، وأن بعضها تسبب بخسائر في الأرواح في إسرائيل. وادعى أن الهجمات تدخل في إطار «الدفاع المشروع عن النفس»، وبعث برسالة تفيد باستمرار العمليات التي قال إنها تُنفذ بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
ورغم تبرير الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما بأفعال الحوثيين المهددة للاستقرار الإقليمي، يُعتقد أن هذه العمليات جزء من استراتيجية أكبر. وثمة إشارات مختلفة، وتفسيرات تستند إليها، بشأن ما إذا كانت إيران هي الهدف التالي، على وجه الخصوص.
ورأى العميد الإسرائيلي المتقاعد وعضو الكنيست إيفي إيتام، في مقابلة إذاعية في ديسمبر 2024، أن الهجمات بمنزلة استعداد لعملية ضد إيران. وقال إيتام إن «ما نراه الآن هو في الأساس بروفة عامة»، واعتبر عمليات اليمن تدريبا على عملية ضد إيران تبدو حتمية.
وقدّم المحلل العسكري طلال عوكل تقييما مماثلا، قائلا إن إسرائيل تحاول إسكات جميع الجبهات في المنطقة واحدة تلو الأخرى، لتهيئة بيئة تستطيع فيها مهاجمة إيران في النهاية. ولفت خبير آخر، الدكتور جمال حرفوش، إلى أن ظروف اليمن الجغرافية والعملياتية، من تضاريس جبلية ومسافات واسعة، تنطوي على تحديات مشابهة لإيران. ووفقا لحرفوش، اختبرت إسرائيل في تجربة ميدانية حقيقية باليمن عناصر مثل الطيران البعيد المدى، والتزود بالوقود جوا، والمناورة في مجال جوي واسع، واختبرت بذلك قدرتها على ضرب إيران.
وقال الخبير العسكري الفلسطيني اللواء المتقاعد واصف عريقات أيضا إن إسرائيل تنظر إلى الجبهات المختلفة، مثل فلسطين ولبنان واليمن، بوصفها «مختبرات لاختبار قدرات الجيش»، وإنها اختبرت خصوصا في هجمات اليمن قدرتها على العمليات البعيدة المدى. ورغم إشارته إلى أن ضرب أهداف إيران أصعب من ضرب أهداف اليمن، كأن تكون المنشآت النووية أفضل حماية مثلا، أكد عريقات أن الهجمات أتاحت للجيش الإسرائيلي ممارسة عملية في الإمداد الجوي والتنسيق والضربات الدقيقة.
ومن جهة أخرى، يتعامل بعض المحللين بحذر مع تفسير عمليات اليمن باعتبارها استعدادا لإيران. فبحسب هؤلاء، استهدفت إسرائيل إيران مرارا في الماضي، والهجمات على اليمن ليست مجرد تدريب، بل جزء من استراتيجية أوسع. ولذلك، ينبغي عدم اختزال الأمر في إيران وحدها. ويرى خبراء آخرون أيضا أن ضرب إسرائيل اليمن خطوة لمعاقبة الحوثيين الذين يهاجمون بالصواريخ الباليستية، ولا ترتبط مباشرة بخطة استهداف إيران.
ورغم صعوبة تحديد ما إذا كانت عملية عسكرية بمنزلة تدريب، يمكن الحديث عن مؤشرات عدة. فأولا، من المهم ما إذا كانت الهجمات على اليمن تتضمن مسافات طيران مشابهة لعملية محتملة ضد إيران. وقد قطعت الطائرات الإسرائيلية نحو 1800 كيلومتر إلى اليمن. وتبلغ المسافة بين تل أبيب وصنعاء نحو 2000 كيلومتر، وبين تل أبيب وطهران نحو 1500. وتتضمن هذه المسافة ممارسة للطيران البعيد والتزود بالوقود جوا، مما سيُحتاج إليه في هجوم على إيران. وقد أظهر سلاح الجو الإسرائيلي قدرته على التزود بالوقود جوا باستخدام طائرات التزويد خلال هذه العمليات.
ووفقا لبعض المصادر، واصلت الطائرات الإسرائيلية التقدم حتى بعد ضرب أهداف الحوثيين، واختُبرت المسارات التي قد تُتبع عند الحاجة إلى البقاء في الجو مدة أطول لمواجهة مشكلات محتملة في هجوم على إيران. ومن المهم أيضا أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا ضربات واسعة بذخيرة حية في اليمن. ووُصف خصوصا استخدام إسرائيل قنابل وصواريخ موجهة بدقة بأنه «بروفة بالذخيرة الحية». فالمسار المطلوب لقصف منشأة نووية إيرانية جرى اختباره الآن في قصف ميناء أو مطار في اليمن.
وتوبعت ردود إيران بعد هجمات اليمن عن كثب. وفي هذه الأيام التي يُطرح فيها احتمال مهاجمة إيران علنا، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية الهجمات بلهجة حادة، وقال قائد الحرس الثوري: «إذا تحرك أعداؤنا، فسنرد ردا مدمرا». أما الحوثيون، فزعموا أنهم استهدفوا حاملة الطائرات الأمريكية ردا على الهجمات.
في المحصلة، يمكن القول إن للهجمات بعدين رئيسيين. أولهما أنها تبدو موجهة لوقف أفعال الحوثيين التي تهدد الأمن الإقليمي. فمن الواضح أن الحوثيين يشكلون تهديدا لإسرائيل ولأمن الملاحة البحرية معا. وقد لوحظ بالفعل ضعف قدرة الحوثيين الهجومية على المدى القصير، وتوقف الهجمات الصاروخية على إسرائيل.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل صلة هذه العمليات بإيران، بمعزل عن قضية اليمن. فمن الواضح أن الولايات المتحدة توجه رسالة إلى إيران لكي تقبل شروط التفاوض. وتُظهر تصريحات ترامب بشأن إيران بعد الهجمات، وقول الجانب الإيراني إنه لن يتفاوض في ظل التهديدات، أن المسألة لا يمكن فصلها عن إيران.
وفي هذا السياق، تخدم الهجمات غرضين أساسيين: الرسالة الموجهة إلى إيران، و«التدريب» السابق لعملية محتملة. وهناك بالفعل خبراء يشاركون هذا الرأي. ورغم أن اعتبار الهجمات بالكامل تدريبا على عملية جوية ضد إيران تبسيط للأمر، لا يمكن إنكار إسهام العمليات في الاستعداد لصراع محتمل معها. وقد يستخدم المخططون العسكريون خبراتهم المكتسبة في اليمن ضمن سيناريوهات الهجوم على إيران أيضا.
نُشر هذا المقال لأول مرة بتاريخ 28 مارس 2025 في مركز الدراسات الإيرانية (إيرام).
