
أبقت إيران تهديدها بإغلاق مضيق هرمز على جدول الأعمال طوال عقود. فقد تكرر خطاب مماثل خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، وفي أزمة العقوبات عام 2012، وفي حوادث احتجاز الناقلات عام 2019، وبقي هذا الخطاب في كل مرة عند مستوى التهديد.
أما "خطة إدارة مضيق هرمز" التي أقرها مجلس الشورى الإسلامي، وهو الهيئة التشريعية في إيران، في مارس 2026، فتختلف نوعيًا عن الأمثلة السابقة. إذ تطرح هذه الخطة ادعاءً بالسيادة والرقابة والإشراف على المضيق، وتنص على فرض رسوم عبور، وتفرض قيودًا على السفن التابعة لدول بعينها.
فبهذه الخطوة نُقلت المقاربة المتعلقة بالسيطرة على المضيق للمرة الأولى إلى مستوى القانون الداخلي، وأصبح سعي طهران إلى وضع أكثر ديمومة لمرحلة ما بعد الحرب ظاهرًا بوضوح.
على أي أساس قانوني يقوم نظام هرمز؟
تُعد قضية قناة كورفو المرجع الأساسي لحق المرور في المضائق الدولية. فقد قضت محكمة العدل الدولية في حكمها هذا بأن للدول في زمن السلم أن تمرر سفنها الحربية عبر المضائق المستخدمة في الملاحة الدولية دون الحصول على إذن مسبق من الدولة الساحلية، واعتُبر كون المرور "بريئًا" كافيًا. ولا تملك الدولة الساحلية صلاحية منع هذا المرور أو تعليقه. كما نصت اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي لعام 1958 صراحة، في الفقرة الرابعة من مادتها السادسة عشرة، على عدم جواز تعليق المرور البريء في المضائق الدولية.
شكّل توسيع البحار الإقليمية عتبة حاسمة في هذا المجال. فمع رفع إيران عام 1959 وعُمان عام 1972 بحرَيهما الإقليميين إلى 12 ميلًا بحريًا، زال ممر أعالي البحار في مضيق هرمز، وبات المضيق بأكمله داخل بحار إقليمية متداخلة. وقد قدمت مفاوضات مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار جوابًا عن هذه المشكلة بصيغة "المرور العابر".
يختلف هذا النظام، المنظم في المواد من 37 إلى 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بنيويًا عن المرور البريء. إذ تنص المادة 44 صراحة على عدم جواز تعليق المرور العابر تحت أي ظرف. وفي هذا الإطار يحق للطائرات التحليق فوق المضيق، وللغواصات الإبحار وهي مغمورة، ولا يجوز للدولة الساحلية اشتراط إذن مسبق أو المطالبة برسوم. أما صلاحيتها التنظيمية فتقتصر على مجالات محدودة مثل السلامة البحرية وحماية البيئة والصيد والجمارك.
وفي هذا الإطار، يُعد مضيق هرمز مضيقًا يصل بين مناطق اقتصادية خالصة ويُستخدم في الملاحة الدولية. ويبرز هذا الممر المائي الضيق، الذي يمر عبره نحو ربع النفط المنقول في التجارة البحرية العالمية وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، بوصفه أحد أهم ميادين تطبيق نظام المرور العابر.
لماذا لا تعترف إيران بالمرور العابر؟
ليس اعتراض إيران على نظام المرور العابر جديدًا ولا سطحيًا. فقد أصدرت طهران، عند توقيعها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في 10 ديسمبر 1982، إعلانًا متزامنًا ذكرت فيه صراحة أن المرور العابر لا يعكس القانون العرفي، وأن الدول الأطراف في الاتفاقية وحدها يمكنها الانتفاع بهذا الحق. ولم تصادق إيران على الاتفاقية قط.
ويتسق القانون الداخلي مع هذا الموقف. فقانون المناطق البحرية لجمهورية إيران الإسلامية الصادر عام 1993 لا يتضمن مفهوم المرور العابر. إذ تعترف المادة الخامسة بمرور السفن الأجنبية في إطار المرور البريء فقط، وتشترط المادة التاسعة إذنًا مسبقًا للسفن الحربية والسفن العاملة بالطاقة النووية والسفن الناقلة لمواد خطرة، فيما تمنح المادة الثامنة الحكومة صلاحية تعليق المرور البريء. وتتعارض هذه الأحكام تعارضًا صريحًا مع نظام المرور العابر في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ومن أقوى ركائز الدفاع القانوني الإيراني مبدأ "الدولة المعترضة باستمرار" (persistent objector). فقد اعترضت إيران على مفهوم المرور العابر قبل أن يتبلور في إطار الاتفاقية، وسجلت ذلك بإعلان رسمي عند التوقيع، وعكسته في قانونها الداخلي عام 1993، وحافظت عليه سياسةً متسقة للدولة طوال أكثر من أربعين عامًا.
في المقابل، فإن الحجة المضادة قوية أيضًا. فإيران سمحت فعليًا بالمرور العابر طوال سنوات عديدة؛ إذ استمرت عبور البحرية الأمريكية المنتظم لمضيق هرمز، ولم تُعرقل حركة الملاحة التجارية. كما نفّذ برنامج حرية الملاحة الذي تديره الولايات المتحدة منذ عام 1979 هذه العبورات بصورة منهجية ووثّقها. ويُحتج بأن هذا الواقع الفعلي يُضعف ادعاء إيران بأنها دولة معترضة باستمرار.
ومع ذلك لم يصل النقاش إلى نتيجة قاطعة على المستوى الأكاديمي. فبحسب المعيار الذي وضعته محكمة العدل الدولية في حكمها في قضية الجرف القاري لبحر الشمال عام 1969، تُعد ممارسة "الدول التي تتأثر مصالحها بصورة خاصة" حاسمة في تكوّن القانون العرفي. وفي سياق هرمز فإن هاتين الدولتين هما إيران وعُمان، ولم تُدرج أي منهما نظام المرور العابر في قانونها الداخلي. في المقابل، يبرز تناقض لافت في أن طرفين رئيسيين في هذا المضيق، وهو من أهم المضائق البحرية في العالم، هما إيران والولايات المتحدة، ليسا طرفين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ماذا يأتي به القانون الجديد؟
يمكن جمع مضمون خطة إدارة مضيق هرمز في أربعة عناوين. أولًا، تطرح الخطة صراحة ادعاء إيران بالسيادة والرقابة والإشراف على المضيق. ثانيًا، تنص على رسوم عبور تُحتسب بالريال الإيراني، وبحسب ما نُشر في الصحافة يدور الحديث عن مبلغ يقارب مليوني دولار للسفن ذات الحمولة الكبيرة. ثالثًا، يُحظر عبور سفن الولايات المتحدة وإسرائيل والدول التي تفرض عقوبات على إيران، في حين يُتاح عبور انتقائي للسفن التي ترفع أعلام الصين وروسيا والهند وباكستان. رابعًا، تنص الخطة على إعداد بروتوكول بحري مشترك مع عُمان.
وقد بدأ التطبيق الفعلي قبل إقرار القانون. إذ أُقيمت نقطة تفتيش بين جزيرتي قشم ولارك يديرها وسطاء مرتبطون بالحرس الثوري، وبدأ إعطاء السفن رموز مسارات وتحصيل المدفوعات. كما أُفيد بأن بعض المدفوعات جرت باليوان الصيني.
والعنصر الأساسي الذي يميز هذا الترتيب عن التهديدات السابقة هو التموضع الاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب. فقد طرحت إيران الاعتراف بسيادتها على هرمز شرطًا من الشروط الخمسة التي وضعتها لإنهاء الحرب. ويُظهر ذلك أن السيطرة على المضيق تجاوزت كونها أداة تكتيكية وتحولت إلى مطلب دائم للدولة.
وجاء رد الفعل الدولي حادًا. فقد دان مجلس الأمن الدولي، بقراره رقم 2817 الصادر في 11 مارس 2026 (مع امتناع الصين وروسيا عن التصويت)، هجمات إيران على دول الخليج، وعدّ عرقلة المرور العابر في مضيق هرمز تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. أما مجموعة السبع فشددت على ضرورة الملاحة الآمنة والمجانية.
الرأي السائد في الأوساط القانونية أن فرض رسوم العبور لا سند له في القانون الدولي. ومع ذلك تُظهر بعض التقييمات أن نظام المرور العابر محمي بقوة على المستوى الفقهي، لكن صعوبات جدية قد تنشأ في التطبيق عندما تكون الدولة الساحلية مستعدة لانتهاك هذه القواعد.
لماذا تُعد معادلة عُمان حاسمة؟
تسيطر عُمان على الساحل الجنوبي لمضيق هرمز عبر شبه جزيرة مسندم. ويمر نظام فصل حركة المرور الذي حددته المنظمة البحرية الدولية، عند أضيق نقطة في المضيق، عبر المياه الإقليمية العُمانية. وهذا يجعل عُمان فاعلًا لا غنى عنه في أي نقاش محتمل حول نظام جديد. ولا يبدو ممكنًا أن تنظم إيران المضيق قانونيًا بمفردها.
أما موقف عُمان فيكشف عن ازدواجية لافتة. فعلى الرغم من مصادقتها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1989، فإن المرسوم السلطاني الصادر عام 1981 لا يعترف إلا بالمرور البريء، ويشترط إذنًا مسبقًا للسفن الحربية. واستمرار دولة طرف في الاتفاقية في تطبيق قانون داخلي لا يتسق مع الاتفاقية نفسها يكشف حجم الغموض القانوني في هرمز. والعلاقات بين البلدين عميقة؛ إذ تتضمن اتفاقية الجرف القاري لعام 1974 حقوق دوريات متبادلة أيضًا.
وقد عكس قول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحه مطلع أبريل إن "ترتيبات هرمز بعد الحرب شأن بين إيران وعُمان" هذه الدينامية بوضوح. ولا تقدم هذه المقاربة إطارًا يتسق مع البنية متعددة الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
أما عُمان فتواصل سياسة "الصمت الاستراتيجي". فبينما تستضيف في مسقط الاتصالات الأمريكية الإيرانية، لا تعلن موقفًا صريحًا من ادعاء إيران بالسيادة.
ماذا تقول الصورة؟
تبرز ثلاثة سيناريوهات أساسية للمسار المقبل. الأول إعادة فتح المضيق بالوسائل العسكرية. فقد حيّدت البحرية الأمريكية في الأسابيع الأولى من الصراع عددًا كبيرًا من الوحدات البحرية الإيرانية. ومع ذلك فإن تهديد الألغام في المناطق القريبة من الساحل، وصواريخ الدفاع الساحلي، واحتمال التصعيد في ممر مائي ضيق تجعل هذا الخيار باهظ الكلفة. والسيناريو الثاني العودة إلى الوضع القائم قبل الحرب، وهو ما يتطلب أن تسحب إيران الترتيب الذي أدخلته حيز التنفيذ، ويبدو تحقق هذا السيناريو صعبًا دون اتفاق سلام شامل. أما السيناريو الثالث، الذي يُعد الأرجح، فهو أن تُبقي إيران آلية السيطرة ورقةَ ضغط، وأن تتطور العملية عبر المفاوضات إلى ترتيب جديد. ويُعد البروتوكول الثنائي المطروح على خط إيران وعُمان من أولى مؤشرات هذا الاتجاه.
والمسألة الأبرز هي أثر السابقة الذي قد يُحدثه هذا الترتيب. فقيام دولة ساحلية بفرض رسوم أحادية الجانب على مضيق دولي طبيعي وتطبيق عبور انتقائي فيه قد يمهد لظهور مطالب مماثلة في نقاط عبور حيوية أخرى، من مضيق باب المندب إلى مضيق ملقا. ولهذا الأمر أثر قد يولّد ساحات توتر جديدة بين القوى العالمية.
أما استشهاد إيران بقناة السويس فليس مقارنة صحيحة من الناحية القانونية؛ فالسويس ممر مائي اصطناعي يعود إلى دولة بعينها، ولا يمكن تصنيفه في الفئة نفسها مع مضيق دولي طبيعي. ومع ذلك قد يظهر أثر السابقة بمعزل عن الاتساق القانوني. ومن جهة أخرى، تتمتع المضائق التركية بوضع خاص تنظمه اتفاقية مونترو بشأن نظام المضائق، ولأن سيادة تركيا وصلاحيتها التنظيمية معترف بهما بمعاهدة دولية، فإنها لا تتأثر مباشرة بالخطوات الإيرانية الأحادية.
تمثل خطة إدارة مضيق هرمز أشمل اعتراض وأكثره تحديدًا يُوجَّه إلى نظام المرور العابر منذ عام 1982. ففي الأزمات السابقة كان غياب نص ملزم يسهّل العودة إلى النظام القديم حين ينتهي التوتر، أما اليوم فإن وجود قانون نافذ يميز الحالة عن الأمثلة السابقة. فضلًا عن ذلك، يشكل هذا الترتيب الأساس القانوني لأحد المطالب التي أدرجتها إيران ضمن شروطها للسلام. ولذلك فإن انتهاء الحرب لا يعني زوال القانون، وسيظل الوضع القانوني للمضيق محل نزاع ما دام الترتيب ساريًا.
نُشر هذا المقال لأول مرة في مركز الدراسات الإيرانية (إيرام) بتاريخ 7 أبريل 2026.
