Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

لماذا تلتزم إسرائيل الصمت إزاء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران؟

يبدو موقف إسرائيل منذ مطلع عام 2026 أقرب إلى استراتيجية متعمدة ومتعددة المستويات تقوم على الغموض، منه إلى مجرد «صمت».

Oral Toğa17 فبراير 2026زمن القراءة: 4 د

بلغ التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بحلول فبراير 2026، مستوى لم يعد من الممكن معه تجاهل خطر المواجهة العسكرية. وفي هذا السياق، وبينما تقيّم واشنطن معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران أعادت بناء قدراتها النووية والصاروخية الباليستية بعد المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في يونيو 2025، يكتسب السؤال التالي أهمية خاصة: هل تشكّل الجولة الجديدة من المفاوضات مع طهران، التي انطلقت في عُمان في 6 فبراير وأُعلن أنها ستستمر، انفتاحًا دبلوماسيًا حقيقيًا، أم أنها تكتيك لكسب الوقت من أجل الاستعداد العسكري؟

في خضم هذه التطورات على خط واشنطن–طهران، ساد انطباع بأن إسرائيل بقيت، أو أُبقيت، في الخلفية. فالظاهر أن المسؤولين الإسرائيليين، الذين أطلقوا تصريحات تهديدية عدة في الأيام الأولى من الاحتجاجات التي بدأت في إيران في 28 ديسمبر 2025، باتوا يتابعون المسألة من بعيد منذ فترة. ولا يقتصر الأمر أصلًا على موقف تل أبيب من الاحتجاجات الإيرانية. فاحتمال شن الولايات المتحدة جولة ثانية من العمليات العسكرية يجعل دور إسرائيل في هذه العملية أكثر حساسية. ويُظهر فحص المصادر المفتوحة أن صمت تل أبيب خيار متعمد أكثر منه تراجعًا، وأنها تتخذ موقعًا نشطًا خلف الكواليس.

تحركات عسكرية ودبلوماسية

كانت قد ترددت أنباء بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح، خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارالاغو في 29 ديسمبر 2025، مسألة شن هجوم جديد على إيران. وقدّم نتنياهو لترامب معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران اقتربت ببرنامجها للصواريخ الباليستية من المستوى الذي سبق المواجهة التي استمرت 12 يومًا، أي قدرة تُقدّر بنحو 2500 صاروخ. ثم أعلن في الكنيست في 5 يناير أنهم لن يسمحوا لإيران بإعادة بناء قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي. وفي اليوم نفسه، أفادت تقارير بأن نتنياهو بحث خيارات مهاجمة إيران في اجتماع مع مجلس الوزراء الأمني استمر خمس ساعات. وبالتوازي مع هذه التطورات في الجانب الإسرائيلي، برزت أنشطة تنسيق مكثفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في المجال العسكري.

وفي الأيام الأخيرة من يناير، ترددت مزاعم بأن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير زار الولايات المتحدة سرًا، برفقة قائد سلاح الجو ورئيس عمليات الاستخبارات العسكرية ورئيس وحدة «تيفيل»، والتقى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية. وكان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، اللواء بيندر، قد زار الولايات المتحدة قبل ذلك بأسبوع.

من جهة أخرى، عقد مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف اجتماعًا استمر ثلاث ساعات ونصف الساعة مع نتنياهو ومسؤولين أمنيين في تل أبيب في 3 فبراير، قبل أيام من لقاء عُمان. وبعد ذلك، تلقّى نتنياهو إحاطة من ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن المحادثات مع إيران خلال وجوده في واشنطن للقاء ترامب للمرة السابعة، بعدما التقاه ست مرات خلال عام واحد.

وفي سياق هذه التطورات، يلخّص تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايكل ديل هاكابي في 2 فبراير حجم التنسيق الأمريكي الإسرائيلي. إذ قال هاكابي إن شن هجوم على إيران من دون التنسيق مع إسرائيل أمر «لا يمكن تصوّره». وكان من المقرر أن يضم وفد نتنياهو في 11 فبراير العميد عومر تيشلر، القائد المرتقب لسلاح الجو الإسرائيلي، لكن جرى التراجع عن ذلك في اللحظة الأخيرة خشية أن «يعطي انطباعًا بوجود استعدادات للحرب». بل إن التراجع عن الخطة يكشف في حد ذاته مدى البعد العملياتي للاجتماع.

ما مصدر القلق الحقيقي لإسرائيل؟

لا يتمثل القلق الأساسي لإسرائيل في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم إيران، بقدر ما يتمثل في احتمال اتجاه إدارة ترامب إلى اتفاق يجمّد البرنامج النووي فحسب، مع إبقاء القدرات الصاروخية الباليستية وشبكة الوكلاء خارج نطاقه. وترى إسرائيل أن إيران بلغت قدرة إنتاج تصل إلى 300 صاروخ شهريًا، ما أدى إلى تآكل سريع للمكاسب التي تحققت في مواجهة يونيو 2025.

وأظهر تقديم نتنياهو موعد زيارته إلى واشنطن أسبوعًا، من 18 إلى 11 فبراير، حجم هذه المخاوف. ويعبّر عنها أيضًا تقييم مستشاره السابق ميتشل باراك للجزيرة. فبحسب باراك، قد يسعى ترامب إلى اتفاق يُظهره بمظهر «صانع السلام» بدلًا من مهاجمة إيران.

وأظهرت التصريحات التي أعقبت لقاء 11 فبراير أن هذه المخاوف ليست بلا أساس من وجهة نظر تل أبيب. فإسرائيل ترى خطرًا كبيرًا في «ذوبان» المكاسب العسكرية التي تحققت في يونيو 2025 على طاولة المفاوضات. وفي المحصلة، يبدو ترامب مصممًا على عدم الانسحاب من المفاوضات. أما نتنياهو، فكشف انزعاجه بصورة غير مباشرة عبر امتناعه عن الإدلاء بأي تصريح علني. أما مدى تعبير هذه الصورة عن خلاف حقيقي، أو عن توزيع محسوب للأدوار، فيبقى مسألة منفصلة تستحق النقاش.

إلى أين قد يتجه المسار؟

ينبغي قراءة الاستعدادات الإسرائيلية خلف الكواليس بوصفها تموضعًا عملياتيًا لمواجهة مقبلة. وتدعم تقييمات مراكز الأبحاث الغربية هذه الصورة عمومًا. ووفقًا لها، لم يكن وقف إطلاق النار في يونيو 2025 سوى استراحة تكتيكية، لا تحولًا دائمًا، ومن المرجح جدًا أن تكون المواجهة المقبلة أوسع من سابقتها.

ويشكّل كون عام 2026 عامًا انتخابيًا في إسرائيل عاملًا إضافيًا يدفع نتنياهو إلى اتباع نهج متشدد حيال إيران. ومع أن الاتفاق هو السبيل الوحيد لإسرائيل للحفاظ على مكاسب عملية «الأسد الصاعد»، فإن احتمال التوصل إليه ضعيف في الظروف الراهنة. كما أن احتفاظ إيران بمخزونها من اليورانيوم المخصب وغياب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المواقع يجعلان التقييمات المستندة إلى المعلومات الاستخباراتية غير يقينية. ويعزز هذا الغموض ميل إسرائيل إلى التحركات الاستباقية أكثر مما يعزز استراتيجية «الانتظار والترقب».

وبالنظر إلى الصورة الكاملة، يبدو موقف إسرائيل منذ مطلع عام 2026 أقرب إلى استراتيجية متعمدة ومتعددة المستويات تقوم على الغموض، منه إلى مجرد «صمت». وفي ظل هذا الغموض، تتبع تل أبيب أجندة من أربعة محاور: أولًا، تشجيع تصاعد الضغط على النظام من الداخل، عبر تجنب الظهور بمظهر المتدخل المباشر في الاحتجاجات الإيرانية؛ ثانيًا، الاستعداد لـ«جولة ثانية» محتملة من العمليات العسكرية؛ ثالثًا، الضغط على واشنطن كي لا تستبعد ملف الصواريخ الباليستية من إطار التفاوض؛ ورابعًا، الاستعداد لاحتمال اتجاه ترامب إلى اتفاق محدود لا يضع الخطوط الحمراء الإسرائيلية في صلبه.

وقد عمّق لقاء ترامب ونتنياهو في 11 فبراير هذا الغموض. فبينما يتمسك ترامب بالتفاوض، يتسع الحشد العسكري في الميدان، وتواصل إسرائيل توفير البنية الاستخباراتية لهذا الحشد. فضلًا عن ذلك، تنفّذ إسرائيل أهم تحركاتها عبر قنوات دبلوماسية وأمنية مغلقة، بعيدًا عن المجال العلني. ويعزز تزامن إصرار ترامب على التفاوض مع الحشد الميداني احتمال أن يكون الخلاف الظاهر بين واشنطن وتل أبيب توزيعًا منضبطًا للأدوار.


نُشر هذا المقال أول مرة في مركز الدراسات الإيرانية (إيرام) بتاريخ 17 فبراير 2026.