Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

ما الذي تستهدفه إسرائيل باستراتيجيتها المتحولة تجاه إيران؟

يحظى التقدير القائل إن إسقاط النظام بالقصف وحده غير ممكن بقبول واسع في إسرائيل. ولهذا تتركز النقاشات اليوم على سؤال الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها بعد العملية العسكرية.

Oral Toğa8 يونيو 2026زمن القراءة: 6 د

كما هو معلوم، صيغت عملية إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ البداية بهدف تغيير النظام. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الأساسي في تحويل إيران إلى دولة منسجمة مع الغرب عبر دفعها إلى التخلي عن برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية الباليستية وشبكات وكلائها الإقليميين. ويمكن القول إن النهج العسكري المتبع في هذا الاتجاه استند إلى منطق بسيط نسبيًا. فوفقًا له، جرى تحديد الحرس الثوري بوصفه مركز ثقل النظام، وافتُرض أن النظام سينهار تحت وطأة ثقله إذا صُفّيت القيادة العليا، بمن فيها مرشد الثورة. وبالفعل، يُلاحظ أن الهجمات استهدفت الحرس الثوري وسلسلة قيادته ومستويات القيادة مباشرة، سواء في اشتباكات الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، أو في العملية الثانية التي بدأت في 28 فبراير 2026، وأن عقيدة الشلل المنظومي طُبقت ميدانيًا بدرجة كبيرة.

ولم تقتصر مجموعة الأهداف، ولا سيما في العملية الثانية، على القيادة ومستوياتها، بل أصبحت أيضًا معظم المؤسسات الأمنية في البلاد، إلى جانب عدد كبير من منشآت البنية التحتية والمراكز اللوجستية والمرافق الحيوية، أهدافًا للهجمات. فقد ضُربت في هذا الإطار نقاط استراتيجية عديدة مزدوجة الاستخدام، بدءًا من أنظمة الدفاع الجوي وشبكات الرادار وصولًا إلى المطارات والقواعد الجوية، ومن منشآت تخزين النفط وتكريره إلى مجمعات البتروكيماويات، ومن مصانع الصلب ومحطات الكهرباء إلى الجامعات، ومن البنية التحتية للإنترنت والاتصالات والطاقة إلى منشآت معالجة المياه. ويُظهر ذلك أن العملية كانت جزءًا من استراتيجية أوسع نطاقًا لا تستهدف إضعاف القدرة العسكرية فحسب، بل الضغط أيضًا على البنية التحتية الحيوية التي تدعم عمل الدولة وقدرة المجتمع على الصمود.

غير أن التفاصيل التي ظهرت مؤخرًا من داخل إسرائيل بشأن توقيت العملية تكشف أن المشهد أكثر تعقيدًا مما كان يُتصور. فبحسب تقديرات وردت في بعض المصادر المفتوحة في إسرائيل، كان من المقرر في الأساس أن تبدأ الحرب الثانية في صيف 2026، بذريعة إصلاح البنية التحتية للصواريخ، لكن موعد العملية قُدّم بعدما قُرئت الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر 2025 وقمعها في يناير 2026 بوصفها نافذة فرصة. وإذا صح هذا الادعاء، فإن العملية التي بدأت في 28 فبراير ظهرت بوصفها حربًا تشكلت تحت ضغط الوقت وعدم اليقين، لا حربًا مخططة مسبقًا. وفوق ذلك، يُلاحظ أن المستويين السياسي والعسكري اختلفا بشأن الهدف في هذه الحرب. ففي حين وضع المستوى السياسي منذ البداية هدفًا أقصى مثل تغيير النظام، ركز المستوى العسكري بدرجة أكبر على استنزاف القدرات وتهيئة شروط تغيير سياسي في المستقبل.

خطأ التقدير الإسرائيلي

يمكن القول إن الحساب الذي دافع عنه الجناح السياسي الإسرائيلي خصوصًا طوال سنوات، وأقنع به الأمريكيين أيضًا، انطوى على نقص أساسي، وإن الثقافة السياسية الإيرانية، قبل كل شيء، لم تُقرأ على نحو جيد بما يكفي. إذ يبدو أن القومية الإيرانية، والتمييز بين الحكومة والدولة بما يجعل معارضة الحكومة مختلفة عن معارضة الدولة، ودور سردية كربلاء والشهادة بوصفها رابطة تحفظ تماسك النظام لدى المحافظين خصوصًا، وكذلك أن صناع القرار الإيرانيين كانوا يتوقعون بالضبط هجومًا من هذا النوع ويعدّون استعداداتهم على هذا الأساس، لم تؤخذ في الحسبان.

وفي ثقافة يُعد فيها الموت في مواجهة خصم أقوى مصدرًا للشرعية، لا هزيمة، فإن تحول القادة القتلى والقيادة المستهدفة إلى أبطال جدد حقيقة يعرفها من يعرفون إيران. ويُلاحظ أن الهجمات على البنية التحتية، وتشجيع النزعات الانفصالية بين الأقليات، والتهديدات الرامية إلى تدمير حضارة البلاد، غذّت، خلافًا للمتوقع، استجابة قومية ووطنية شملت معارضي النظام أيضًا.

في المحصلة، يمكن القول إن «فخ الانتصار التكتيكي» قد تشكل، حيث لم تتحول الأفضلية العسكرية إلى نتيجة سياسية، ولم يُترجم التفوق في الميدان إلى نجاح استراتيجي على الطاولة. وفي هذا الإطار، يبرز مجتبى خامنئي شخصية حاسمة من زاوية الاستراتيجية القائمة على استهداف القيادة. فبسبب تأثيره الكبير في الحرس الثوري، وعلاقاته القوية بالجناح السياسي، واكتسابه خبرة في إدارة الدولة إلى جانب والده على مدى نحو خمسة وعشرين عامًا، يُعد أحد الأسماء التي تستطيع، على الرغم من الجدل بشأن صفته الفقهية، الاضطلاع بدور قائد يجمع الصفوف في ترتيب جديد ويحول دون الانقسامات السياسية والعسكرية. ولهذا يقع مجتبى خامنئي في موقع الهدف المحتمل بالنسبة إلى إسرائيل. إذ لا ينبغي أن تظهر شخصية قيادية قوية قادرة على إعادة تجميع النظام، إذا أُريد تعميق الانقسامات المنشودة وضمان أن تنتج استراتيجية قطع رأس القيادة نتائجها.

ويُظهر هذا المشهد كله أن إيران تخوض في الواقع حربين منفصلتين. الأولى هي الحرب العسكرية الدائرة على الجبهة، والتي يبدو احتمال كسبها مرتفعًا بفضل بقاء بنية الدولة صامدة. لكن الحرب الثانية، وهي الأكثر حسمًا، ستبدأ بعد انتهاء القصف. وسيخلق هذا المسار، الذي ستشكله الكلف الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية الناجمة عن البنية التحتية المدمرة، ساحة صراع أطول أمدًا وأكثر تعقيدًا بكثير بالنسبة إلى إيران. ولذلك فإن الاختبار الأساسي لإيران سيبدأ في مرحلة إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ستظهر بعد الحرب، لا في الصراع العسكري.

بحث إسرائيل عن استراتيجية جديدة

تدرك النخب الأمنية في إسرائيل هذه الحقيقة أيضًا. وبالفعل، يحظى التقدير القائل إن إسقاط النظام بالقصف وحده غير ممكن بقبول واسع في إسرائيل. ولهذا تتركز النقاشات اليوم على سؤال الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها بعد العملية العسكرية. بل إن مضمون هذه النقاشات يُظهر أن هدف تغيير النظام لم يُترك، وإنما يجري البحث عن أساليب جديدة لبلوغه. ومن هذه الزاوية، يقدم النقاش في إسرائيل مؤشرات على مقاربة جديدة لتغيير النظام. ويمكن القول إن النقاش يتشكل في خطوطه العامة حول مقاربتين أساسيتين.

تبرز عند أحد الطرفين مقاربة أكثر طموحًا. فوفقًا لهذا الرأي، الذي يجد صدى في الأوساط الاستخباراتية خصوصًا، لا يزال تغيير النظام هدفًا قابلًا للتحقيق، بل هدفًا قريب المدى. وتقوم هذه المقاربة على افتراض أن شريحة اجتماعية واسعة تسحقها الأعباء الاقتصادية وغير راضية عن النظام لا تنزل إلى الشارع بسبب الخوف أساسًا. وبحسب هذا التصور، بنى النظام على مدى سنوات جدار خوف قويًا بتكوين صورة جهاز لا يمكن المساس به وقادر على السيطرة على كل شيء. ولذلك فإن الهدف الأول لهذه المقاربة هو هدم جدار الخوف ذاك، وتقويض تصور أن النظام لا يُقهر، وإظهار أن جهاز الدولة قابل للاختراق في الحقيقة أمام المجتمع.

ويُنظر كذلك إلى نشر صور لعملاء يتحركون بحرية داخل البلاد، وتعميم معلومات عن استهداف مراكز الأمن الداخلي، بوصفهما جزءًا من هذه الاستراتيجية. وهنا يُلاحظ أن عمليات التأثير تحل تدريجيًا محل الأساليب القائمة على العنف بدرجة متزايدة. فبحسب بعض التقديرات، على سبيل المثال، يُنظر إلى تسريب معلومات عن ماضي شخصيات رفيعة تضر بسمعتها، وإبعادها عن مناصبها بهذه الطريقة، بدلًا من تصفيتها جسديًا، بوصفه أسلوبًا أقل كلفة وأكثر فاعلية في آن واحد. وترافق هذه الأنشطة حملات تُدار عبر حسابات مزيفة وشخصيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وبالفعل، لوحظ في هذه الحملات، ولا سيما في فترة ما قبل الحرب، السعي إلى إبراز رضا بهلوي. وعلى الرغم من أن هذا الملف يبدو قد تراجع اليوم إلى الخلفية مع مسار الحرب، فإن تنفيذ أنشطة مماثلة مستقبلًا من خلال رضا بهلوي أو شخصية أخرى يظل احتمالًا قائمًا. والاستنتاج الأساسي الذي تصل إليه الأوساط التي تتبنى هذه المقاربة هو أن النظام سيدخل في عملية تفكك خطيرة بحلول نهاية عام 2026 إذا لم يُتح لإيران متنفس اقتصادي عبر اتفاق، وإذا استمر نظام الضغط القائم. وترى هذه الأوساط أن النظام سيضعف وينهار في نهاية المطاف بقدر استمرار الحصار الاقتصادي والسياسي، لا في اللحظة التي تغادر فيها آخر طائرة حربية المنطقة. ولهذا تُعد العمليتان، الأولى والثانية، مرحلتين وسيطتين على طريق تفكك النظام، أكثر مما تُعدان المسار الذي سيحقق النتيجة النهائية.

أما عند الطرف الآخر، فتوجد قراءة أكثر حذرًا بكثير. فبحسب هذا الرأي، لا ينبغي تبني تغيير النظام بوصفه فرضية أو مسلمة سياسية مسبقة. إذ تبيّن أن النظام الإيراني استطاع الحفاظ على استمراريته الوظيفية بوصفه بنية مؤسسية متعددة الطبقات وقادرة على الصمود، على الرغم من الضربات الشديدة التي استهدفت المستوى الأعلى وسلسلة القيادة. ويشير المدافعون عن هذه المقاربة إلى محدودية الافتراض القائل إن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى انهيار النظام أو، على الأقل، سيجبره على الاستسلام. ويرون أن هذا التقدير لا يأخذ في الحسبان بما يكفي أن النظام ينظر إلى الوضع الراهن بوصفه صراعًا وجوديًا، ولذلك فهو مستعد لتحمل كلف شديدة الارتفاع.

وتدافع الأوساط نفسها عن أن القدرة على إحداث تغيير للنظام من الخارج محدودة للغاية، وأن إضفاء أهمية مفرطة على الجماعات الموالية للغرب في المنفى يشكل مقاربة خاطئة، وأن تحولًا حقيقيًا لا يمكن أن يتحقق إلا بتشكيل الفاعلين الإيرانيين أنفسهم ائتلافًا واسع القاعدة من داخلهم. بل تشير هذه الأوساط إلى أن حملات التأثير العلنية التي تُدار من الخارج تأتي بنتائج عكسية، وتعزز الخطاب الرسمي القائل إن الغرب يريد فرض «حكم تابع» على إيران.

وبحسب هذه المقاربة، ليس من الواقعي إنتاج سياسة في المسألة النووية استنادًا إلى توقع تغيير النظام. ولذلك ينبغي دعم ظهور تسوية سياسية، ولو جزئية، حتى لو وفرت للنظام قدرًا من الانفراج الاقتصادي. ويقترح هذا المنظور التركيز على أهداف أكثر تحديدًا وقابلية للتحقيق، مثل تقييد البرنامج النووي وحماية الاستقرار الإقليمي، بدلًا من اعتبار تغيير النظام الهدف النهائي.

وتكتسب النقطة التي تلتقي عندها المقاربتان أهمية حاسمة. فمع الإقرار بأن الحرب العسكرية وحدها لا تحقق نتيجة، يُعاد تعريف المسألة الآن بوصفها صراعًا مستمرًا يجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والسرية. وعند النقطة التي وصلت إليها الحرب، بات الرأي العام السائد أن تغيير النظام، إن حدث، فلا بد أن يأتي من الداخل. أما ما يمكن فعله من الخارج فلا يتجاوز تهيئة الأرضية لهذه العملية. ويُلاحظ في هذا الإطار أن الأدوات المطروحة ملموسة للغاية. وفي مقدمتها إمكانات تجاوز قيود الإنترنت، وصناديق دعم المتظاهرين المضربين، وتعزيز المجتمع المدني، والقدرات السيبرانية والمعرفية التي ستضعف قدرة قوات الأمن على القمع في موجة احتجاج جديدة. ويمكن اعتبار استمرار العمليات السرية الهادفة إلى تأخير إصلاح القدرات الصاروخية والنووية جزءًا من المنطق نفسه.

والنتيجة التي يمكن استخلاصها من كل ذلك هي أن العمليات الإسرائيلية ضد إيران لن تنتهي حتى لو أُعلن وقف لإطلاق النار، وأُقيمت طاولة مفاوضات، وانتهت الحرب رسميًا. وينبغي قراءة القصف بوصفه مجرد مرحلة. أما ما بعده فسيكون حملة سرية واقتصادية ومعرفية تستهدف إحداث تحول من الداخل على المدى المتوسط عبر استغلال نقاط ضعف البلاد. ويمكن القول إن الاختبار الحقيقي لإيران سيبدأ بعد رفع الحصار، لا بمجرد عدم سقوط القلعة، وإن إسرائيل تنقل مركز ثقلها الآن بوضوح إلى هذه الأرضية، أي إلى الحساب الاقتصادي والاجتماعي لما بعد الحرب.

ومع ذلك، يبدو أن نجاح هذا المسار غير مضمون على الإطلاق، وأن هذا الأمر معترف به داخل إسرائيل أيضًا. فالمشكلة الأساسية التي أفشلت الحساب الأول تظل قائمة هنا كذلك. إذ إن عتبة الخوف والانهيار الاقتصادي كلاهما سيف ذو حدين. فمثلما قد يؤدي تفاقم الحرمان عند نقطة ما إلى انفجار اجتماعي كبير، ليس من المستبعد أيضًا أن يعزز النظام عبر زيادة مركزية الجهاز الأمني وتغذية الاستجابة القومية. وأي تحرك اجتماعي يتطور بعد هذه النقطة سيُقمع بأقصى ما يمكن من الشدة. وفوق ذلك، لا يوجد ضمان بأن عقلًا أخطأ قراءة المجتمع الإيراني أكثر من مرة سيحسب خوف المجتمع نفسه وغضبه هذه المرة على نحو صحيح. وفي نهاية المطاف، سيحدد مسار هذه الحرب الثانية مصير النظام، لا التفوق على الجبهة. ولهذا بالتحديد توجه إسرائيل الآن كل انتباهها إلى هناك.


نُشر هذا المقال لأول مرة في مركز الدراسات الإيرانية (إيرام) بتاريخ 8 يونيو 2026.