Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

ماذا يعني التفاهم الأمني الإيراني الإثيوبي للطرفين؟

انتقلت إيران، بمذكرة التفاهم الموقعة مع إثيوبيا، من سياسة النفوذ غير المباشر التي اتبعتها طويلا في القارة الأفريقية إلى نموذج تعاون مباشر ورسمي ومؤسسي.

Oral Toğa26 مايو 2025زمن القراءة: 5 د

في 23 مايو 2024، وُقعت مذكرة تفاهم للتعاون الأمني بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية. وتنص الوثيقة، التي وقعها في طهران قائد قوات إنفاذ القانون الإيرانية أحمد رضا رادان، والمفوض العام للشرطة الإثيوبية ديميلاش غيبرميكائيل، على إقامة شراكة مؤسسية بين قوات إنفاذ القانون في البلدين، في مجالات مثل مكافحة الجرائم العابرة للحدود، والتدريب، والتعاون التقني، وتبادل المعلومات. ورغم تقديم الاتفاق للرأي العام بوصفه نصا تقنيا بسيطا، فإن خلفيته ومعناه الاستراتيجي لا يمكن تجاهلهما.

منذ ثورة 1979، كانت التوجهات الأيديولوجية والاستراتيجية حاسمة في سياسة إيران الأفريقية. فقد حاولت طهران إنشاء دائرة نفوذ رمزية في القارة بخطابات مثل «التضامن مع المظلومين» و«مقاومة الإمبريالية». لكن هذا النهج الأيديولوجي أدى بمرور الوقت إلى توتر العلاقات مع دول أفريقية كثيرة، بل قطعها أحيانا.

وفي السنوات الأخيرة، قدمت إيران عروضا للتعاون مع دول تعاني مشكلات أمنية، في مجالات مثل بيع الطائرات المسيّرة وتدريب أفراد الأمن، وعززت بذلك سياسات نفوذها من خلال المساعدات التي تقدمها. فمثلا، خلال زيارة قائد قوات إنفاذ القانون الإيراني إلى النيجر في مايو 2025، وُقعت مذكرة تفاهم بين البلدين في مجالي الأمن والتدريب. ويشمل الاتفاق تدريب أفراد الشرطة والحرس الوطني النيجريين في جامعة الشرطة الإيرانية. وعلى غرار الاتفاق الإثيوبي، تتضمن المذكرة بنودا لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز القدرات الأمنية.

وأُجريت في العام نفسه محادثات تعاون أمني مع بوركينا فاسو أيضا. لكن التجارب السابقة أظهرت أن إيران استخدمت مثل هذا التقارب، بمرور الوقت، لنشر نفوذها الأيديولوجي. ففي التسعينيات، مثلا، أُقيم تعاون مع السودان شمل التدريب العسكري، وتوفير السلاح، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لكن السودان قطع علاقاته بإيران عام 2015 وأغلق مؤسسات كثيرة تابعة لها، بسبب أنشطتها الأيديولوجية في البلاد.

موقع إثيوبيا الاستراتيجي وتوازن سياستها الخارجية

إثيوبيا من أهم دول أفريقيا، بموقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي معا. وتؤدي أديس أبابا، مقر الاتحاد الأفريقي، دورا حاسما، ليس في صنع القرار القاري فقط، بل في توازنات القوى في حوض البحر الأحمر وشرق أفريقيا أيضا. وبفضل سكانها وإمكاناتها الاقتصادية وقدرتها العسكرية، تسعى البلاد منذ وقت طويل إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة قيادية على المستويين الإقليمي والقاري.

وتحتل خلافاتها مع مصر حول نهر النيل، والإصلاحات الأمنية التي تلت الحرب الأهلية في تيغراي المندلعة عام 2020، والتوترات الدورية مع الصومال، مكانة مهمة على أجندتها الخارجية. وجعلت هذه الأهمية الاستراتيجية إثيوبيا شريكا لا غنى عنه للأطراف العالمية والإقليمية الراغبة في التأثير في أفريقيا. فمن مشروعات الاستثمار الصينية إلى استراتيجيات الموانئ والقواعد العسكرية الإسرائيلية والخليجية، ومن المبادرات التركية الدبلوماسية والإنسانية إلى سياسات التنمية الغربية، تطور مراكز قوة كثيرة علاقات متعددة الجوانب مع أديس أبابا. ويعكس هذا التنوع السعي إلى «التوازن»، وهو الاتجاه الأساسي في السياسة الخارجية الإثيوبية.

وينبغي تقييم التفاهم الأمني مع إيران في هذا الإطار أيضا، والنظر إليه مثالا لسياسة إثيوبيا في التواصل مع أطراف مختلفة دون الاعتماد على طرف واحد. لكن استمرارها في هذا التوازن مرهون بتحديد نطاق علاقتها بكل دولة بعناية.

ماذا يمثل التفاهم لإيران؟

لطالما كانت دول القرن الأفريقي ضمن أهداف إيران الاستراتيجية. ولأن طهران لم تتمكن من تحقيق مستوى التأثير المنشود في المنطقة، اتجهت إلى تطوير علاقات أوثق، وإن محدودة، مع الدول المحيطة بالقرن الأفريقي أو بعض الجماعات الناشطة فيه. وبهذا الاتفاق، انتقلت إيران، التي اتسمت علاقتها التاريخية بإثيوبيا بالتقلب والتباعد، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، من سياسة النفوذ غير المباشر إلى نموذج تعاون مباشر ورسمي ومؤسسي. ويمكن تقييم هذا التطور محاولة لزيادة حضور إيران وشرعيتها في أفريقيا ولدى الرأي العام الدولي. وبالنسبة إلى طهران، التي بقيت خارج المنظومة العالمية بسبب العقوبات على وجه الخصوص، لم تعد السياسة الأفريقية مجرد خيار رمزي، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية أيضا.

ويتضمن التفاهم أيضا هدف إيران إدخال منتجات صناعاتها الدفاعية إلى السوق الأفريقية. فإيران، التي لفتت الانتباه في السنوات الأخيرة خصوصا بمسيّراتها المرسلة إلى روسيا، تسعى إلى تسويق هذه التقنيات في أفريقيا أيضا. وقد وُقعت بالفعل اتفاقات تعاون مختلفة في هذا الاتجاه خلال زيارات رسمية إلى كينيا وأوغندا وزيمبابوي عام 2023، وأُعلن إنشاء «بيوت للابتكار والتكنولوجيا». ويمكن للاتفاق الأمني مع إثيوبيا أن يضفي الصفة الرسمية على هذا التعاون التقني.

كما أتاح التفاهم لإيران فرصة تعميق الخط الاستراتيجي الممتد من اليمن إلى شرق أفريقيا. فرغم تحقيق حضور معين في المنطقة عبر محاولاتها الطويلة لتطوير علاقات وثيقة مع الدول المحيطة بالقرن الأفريقي، لم تبلغ إيران مستوى التأثير الذي تريده. ولا سيما أن التعاون مع الدول على الضفة المقابلة لمضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر، يحمل أهمية حاسمة لاستراتيجيتها العسكرية واللوجستية. ولهذه الأسباب جميعا، ترى طهران التعاون مع أديس أبابا، لا مجرد اتفاق ثنائي، بل جزءا من انفتاح استراتيجي على المستويين القاري والعالمي أيضا.

ماذا تريد إثيوبيا أن تكسب؟

من المنظور الإثيوبي، قد يستهدف هذا التعاون الأمني مع إيران سد الثغرات الأمنية الداخلية، والحفاظ على التنوع الاستراتيجي في السياسة الخارجية معا. فأديس أبابا، التي عانت ضعفا كبيرا في بنيتها الأمنية الاتحادية بعد حرب تيغراي، تبحث عن دعم خارجي لمنظومتها الأمنية المعاد تشكيلها. وفي هذا الإطار، قد يُنظر إلى التعاون مع إيران، التي تمتلك تقنيات دفاعية وقدرات استخباراتية، باعتباره مفيدا لبناء القدرات وتوفير الخبرات. ويمكن أن يلبي التدريب والتجهيزات التقنية والمعدات والدعم في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، الآتي من إيران، الاحتياجات الحالية.

وتنظر إثيوبيا إلى هذا التعاون أيضا بوصفه أداة مناورة دبلوماسية، إلى جانب المجال الأمني. ومع مراعاة علاقاتها المتعددة الأطراف مع دول الخليج والدول الغربية والصين وتركيا، يمكن رؤية التواصل مع إيران محاولة لزيادة استقلالية أديس أبابا الدبلوماسية. وتتيح هذه الارتباطات لإثيوبيا الموازنة بين الأطراف، وتعزيز قدرتها التفاوضية، وترسيخ تأثيرها الدبلوماسي داخل القارة. لكن بالنظر إلى تجارب إيران السابقة في دول أخرى، ينبغي أن تدير إثيوبيا هذا التعاون في إطار حذر ومحدود. وتجدر الإشارة إلى أن إدارة أديس أبابا، ذات الاستجابات المؤسسية القوية، تمتلك القدرة على تحديد حدود العلاقات.

كيف ينعكس التفاهم ميدانيا؟

رغم أن التفاهم الأمني بين إيران وإثيوبيا يبدو حاليا محصورا في إطار دبلوماسي، فقد أثار تطبيق اتفاقات مماثلة ميدانيا جدلا عبر أمثلة سابقة كثيرة. وتميل إيران إلى استخدام وثائق كهذه في أفريقيا، ليس بوصفها تعاونا رسميا وحده، بل أدوات لزيادة تأثيرها الميداني أيضا. وتعكس محاولات بناء شبكات في السودان عبر برامج التدريب العسكري والمؤسسات الوقفية الدينية، وأنشطة نشر التشيع في موريتانيا، وشبكة الزكزاكي في نيجيريا، أشكالا مختلفة لهذا النهج. وعادة تبدأ هذه المسارات بمساعدات إنسانية أو أنشطة ثقافية، ثم قد تمتد بمرور الوقت إلى جمع الاستخبارات، والتأثير الأيديولوجي، بل التهريب.

وقد شهدت إثيوبيا أيضا تجربة من هذا النوع: ففي عام 2021، اكتُشفت خلية استخباراتية مرتبطة بإيران في أديس أبابا، وقيل إنها تستهدف سفارة الإمارات العربية المتحدة. وأظهرت الواقعة سعي إيران إلى بناء نفوذ عبر قنوات سرية أيضا، لا العلنية وحدها.

ويشير التفاهم الموقّع اليوم، رغم هذه التجارب السابقة، إلى دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة. ومع ذلك، يبقى سؤال نتائجه العملية مهما. وبالنظر إلى ممارسات إيران السابقة، يُرجح أن يمتد هذا النوع من التعاون، بمرور الوقت، إلى مجالات مثل التدريب والتكنولوجيا والاستشارات الأمنية. لكن مؤسسات إثيوبيا القوية وعلاقاتها الخارجية المتعددة الجوانب تبرز عامل توازن مهما قد يصعّب سير هذا المسار في اتجاه واحد لصالح إيران.


نُشر هذا المقال لأول مرة في مركز الدراسات الإيرانية (إيرام) بتاريخ 26 مايو 2025.