Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

كيف قوبل رد فعل إيران إزاء ممر زنغزور في أرمينيا؟

Oral Toğa17 سبتمبر 2024زمن القراءة: 3 د

منذ اليوم الأول الذي طُرحت فيه مسألة ممر زنغزور، صدرت في إيران ردود فعل عديدة عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية. وتكرر التأكيد على أن الممر خط أحمر بالنسبة إلى إيران. بل إن المرشد الأعلى علي خامنئي ذكّر بذلك مرة أخرى، وجهًا لوجه وأمام وسائل الإعلام، خلال اللقاء الذي عُقد في طهران في 30 يوليو بمناسبة مشاركة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في مراسم أداء مسعود بزشكيان اليمين الدستورية. وتجدد الجدل حول ممر زنغزور، الذي يصفه الإيرانيون بـ«ممر توران» أو «ممر الناتو» أو «الممر الوهمي»، مع التصريحات الروسية رفيعة المستوى الداعمة له في الأيام الماضية. ورغم صدور تصريح روسي آخر يدعو إلى التهدئة، لا تكاد تخلو صحيفة في إيران من مقال عن الموضوع. لكن هذا المقال لن يتناول النقاشات الدائرة في إيران، بل سيعرض في خطوط عامة انعكاسات الموقف الإيراني الرافض لزنغزور في أرمينيا.

النقاشات حول زنغزور في أرمينيا

لتلخيص النظرة الأرمينية إلى مسألة زنغزور، يمكن القول إن الرأي العام الأرميني منقسم بشأنها. غير أن الانقسام لا يدور حول مسألة الممر بقدر ما يتمحور حول «السيادة». ففي حين تعارض مجموعة واسعة تقودها أحزاب المعارضة هذه المسألة مباشرة، يتخذ حزب العقد المدني الحاكم موقفًا متحفظًا منها. ويعود ذلك إلى الوضع الخاص المقترح للممر. فالسلطة والمعارضة متفقتان على ألا يتمتع هذا الطريق بوضع خاص. أما ما يميز السلطة عن المعارضة فهو أن المعارضة ترفض أي شكل من أشكال الاندماج، في حين تريد حكومة باشينيان تحويل أرمينيا إلى نوع من مفترق لطرق النقل. ولهذا الغرض، اقترح نيكول باشينيان مشروعًا سماه «مفترق طرق السلام». ويهدف من خلاله إلى جعل أرمينيا عقدة مهمة للنقل بين بحر قزوين والبحر الأسود والبصرة، محاولًا بذلك نقل الموضوع إلى ما يتجاوز الجدل حول الممر.

انعكاسات رد الفعل الإيراني على الممر في أرمينيا

عقب التصريحات الروسية مباشرة، قام المسؤولون الإيرانيون بتحركات دبلوماسية. وفي هذا السياق، جرت سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين الأرمن. وإلى جانب التصريحات الصادرة من إيران، بدأ السفير الإيراني لدى أرمينيا مهدي سبحاني نشاطًا مكثفًا. وقال سبحاني، الذي دعا وسائل الإعلام الأرمينية في 6 سبتمبر: «موقفنا من إزالة العوائق واضح وصريح للغاية. نحن لا نعارض إزالة العوائق. لكنني على يقين بأن جميع الإجراءات في إطار إزالة العوائق يجب أن تتم في إطار السيادة الوطنية وسيادة الدولة». وأضاف: «يجب أن تكون السيطرة الكاملة بيد الحكومة الأرمينية وفي إطار سيادة أرمينيا. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، لا في القرن التاسع عشر. للدول استقلال وسيادة، وهي تتمتع بهذا الحق». وبذلك أوضح أنهم يتبنون موقفًا يتوافق مع موقف حكومة باشينيان.

كما التقى سبحاني أمين مجلس الأمن القومي الأرميني أرمين غريغوريان. وأشار غريغوريان إلى الروابط والعلاقات العميقة بين البلدين، قائلًا: «لا تستطيع أي قوة قطع الاتصال البري بين إيران وأرمينيا»، في نهج يرمي إلى تهدئة تصورات إيران للتهديدات. وأعرب أيضًا عن شكره لسبحاني على الموقف الذي أبدته إيران. وبالمثل، اتصل نائب وزير الخارجية الأرميني فاهان كوستانيان بنظيره الإيراني، وشكره عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي على دعم إيران لوحدة أراضي أرمينيا.

وفي هذا الشأن، تحدث الباحث الأرميني في العلوم السياسية إدغار فاردانيان إلى «أزاتوتيون» عن رد الفعل الإيراني. وأوضح أن رد الفعل هذا يستند إلى التصريحات الحالية، وأن إيران تتخذ موقفًا وقائيًا. وفيما يتعلق بالجهد الإيراني، قال فاردانيان إن هذا النشاط غير مسبوق، وإنه أثار دهشة كثير من المتخصصين في الشأن الإيراني أنفسهم. وشدد على أن الخطاب الحالي يختلف اختلافًا كبيرًا عما سبقه. وعن سبب رد الفعل هذا كله، أوضح أنه يعتقد أن الجلسات المغلقة قد تتضمن معلومات أكثر إثارة للقلق وأكثر تحديدًا، لكن حتى المعلومات المتاحة للجمهور تكفي لإثارة قلق الدول المعنية.

وكان روبين ميلكونيان، العميد والمتخصص في الدراسات التركية في جامعة يريفان الحكومية، من بين من لفتوا الانتباه إلى الوضع في المنطقة والمقاربة الإيرانية. وقال: «إن إعداد المجتمع في القرن الحادي والعشرين لمواجهة تركيا بأغاني فدائيي القرن التاسع عشر أمر مدمر»، مشيرًا إلى أن التعامل مع مشكلات اليوم بالأساليب القديمة سيكون مدمرًا. وتطرق إلى التغيرات الجيوسياسية في المنطقة والدور الموازن لإيران. وأكد أن أرمينيا لا تملك القوة الكافية في مواجهة النفوذ التركي المتزايد في المنطقة. وقال إن الموقف الإيراني يمثل عنصر توازن، وإن السفير الإيراني كرر موقفه المعارض لـ«ممر زنغزور».

وكان النائب السابق في مجلس الأمة التركي الكبير غارو بايلان أيضًا من بين من تحدثوا إلى وسائل الإعلام الأرمينية عن الموضوع. وفي حديثه إلى «أرافوت»، قال بايلان إن فتح الطريق المعني قد تكون له تداعيات خطيرة على أرمينيا، وقد يعرض استقلال البلاد للخطر. وأضاف أنه ينبغي عدم الاعتماد على قوة واحدة حتى لا تتكرر أخطاء الماضي.

خاتمة

تواصل الحكومة الأرمينية التأكيد على حماية حقوق البلاد السيادية، لكنها لا تعارض فكرة طريق النقل. ويحاول باشينيان دفع العملية قدمًا على أساس مشروع «مفترق طرق السلام». ومن جهة أخرى، يحتل تعديل الدستور الأرميني مكانة متقدمة ضمن أولوياته. وفي أرمينيا، تقبل الشخصيات القريبة من السلطة ومن الغرب الضرورات الجيوسياسية، وتدعو إلى تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتقليل الاعتماد على روسيا. أما المعارضون فيواصلون اتهام حكومة باشينيان بالضعف. ومع ذلك، فإن ما أبقى باشينيان في السلطة رغم خسارته الحرب هو رغبة الشعب في إنهاء اعتماد أرمينيا على روسيا. وأرمينيا، التي لم تلق دعمًا من روسيا، تنظر إلى إيران باعتبارها عامل توازن، لكن الظروف التي تمر بها إيران أيضًا تجعل من غير الممكن الاعتماد عليها وحدها في الدعم.


نُشر هذا المقال للمرة الأولى في 16 سبتمبر 2024 في TAV.