Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

اليأس الاقتصادي يؤجج أحدث احتجاجات إيران

Oral Toğa7 يناير 2026زمن القراءة: 6 د

أعادت الاحتجاجات التي تجتاح إيران منذ أسبوع طرح السؤال: «هل هذه الخطوة الأولى نحو تغيير النظام؟». غير أن طرح سؤال كهذا دون فهم خلفيات الأحداث على الأرض يؤدي غالبا إلى تحليلات مختلة من أساسها.

ولفهم تفاصيل المسألة فهما كاملا، لا بد من تناولها على مستويات متعددة. تعيش إيران أزمة اشتدت منذ عام 2016 وتصاعدت بصورة كبيرة بعد عام 2018، بالتوازي مع سياسة «الضغط الأقصى» خلال ولاية ترامب الأولى. وكثيرا ما يسيء المحللون الغربيون غير المطلعين على الواقع الميداني فهم هذه الأزمة، مما يستدعي النظر في خلفياتها عن كثب.

الأزمة الاقتصادية

تواجه إيران مشكلة التوسع الحضري العشوائي، التي بدأت في ستينيات القرن الماضي واشتدت حتى اليوم. فقد أفرغت الهجرة السريعة من الريف إلى المدن القرى من سكانها، وألحقت دمارا بقطاعي الزراعة وتربية المواشي، وأنتجت كتلة سكانية ضخمة تكافح للبقاء في المدن عبر التكدس في الأحياء العشوائية. وتصف النخب الراسخة هذه الكتلة من المهاجرين الداخليين بتسمية «شهرستاني»، أي «القادم من الأقاليم»، على سبيل الانتقاص. وفيما يعمّق هذا الإقصاء خطوط الانقسام الاجتماعي، تفاقم النمو الفوضوي لأطراف المدن بفعل تدفق ملايين اللاجئين الأفغان منذ ثمانينيات القرن الماضي. وكانت المحصلة المتراكمة مجتمعا متشظيا يتسم بانعدام الثقة المتبادل، والاستياء، والتعاسة العميقة.

ولم تعد البنية التحتية الحضرية قادرة على تحمل هذا العبء السكاني. فشبكات المياه والكهرباء والغاز تنهار، فيما يثير اتساع الفقر مشكلات خطيرة في الأمن العام. وتواجه البلاد إحدى أسوأ أزماتها السكنية. أما البعد الأكثر تدميرا فهو سوق العمل: إذ شكّلت الكتل المنفصلة عن الإنتاج الريفي جيشا ضخما من العمالة غير الماهرة، مما أوجد فائضا سكانيا يمكن تسميته «التضخم البشري»، ودفع الأجور إلى مستويات لا تسد الرمق.

ويتجلى هذا الاختناق الاقتصادي بأوضح صوره في أزمة السكن، التي تتصدر أجندة إيران منذ سنوات، وفي تآكل معاشات المعلمين والمتقاعدين. ولا سيما في المدن الكبرى مثل طهران، أصبح العثور على منزل للإيجار مستحيلا بسبب الإيجارات الفلكية، ومطالبة الملاك بودائع ضخمة تقارب قيمة العقار نفسه.

ونتيجة لذلك، أرجأ جيل بأكمله أحلام الزواج بسبب تكاليف السكن وانخفاض الدخل. فالشباب إما يبقون في منازل أسرهم، أو يتشاركون الشقق في مجموعات ليتمكنوا من دفع الإيجار. ويتعارض هذا التعطل الاقتصادي للزواج مع المنظومة الثقافية لمجتمع يولي الزواج قيمة كبيرة، مما يولد صراعا اجتماعيا صامتا لكنه عنيف.

يقف في أحد طرفي هذا الصراع الجيل المولود في ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها، وفي الطرف الآخر أسر ومجتمع تترسخ فيهما أعراف ثقافية شديدة القوة. أما الطرف الثالث فهو قوانين الشريعة التي تفرضها الجمهورية الإسلامية. وتقف الحكومة في مواجهة مباشرة مع هذه الكتلة التي لا تستطيع الزواج حتى إن أرادت. ففي بلد تُدرّس فيه حتى الجامعات مادة إلزامية بعنوان «المعرفة بالأسرة والسكان»، تُمارس على الشباب ضغوط هائلة لـ«تكوين أسرة» على جميع مستويات المجتمع. وسيدرك من يعرفون إيران عن قرب مدى خطورة هذه المشكلة.

ويظهر الانهيار الاقتصادي بوضوح في القوة الشرائية. ففيما يتجاوز التضخم العام 50%، تبدو الصورة أشد قتامة في تضخم أسعار الغذاء: إذ تُظهر بيانات ديسمبر 2025 أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت 72% على أساس سنوي. وارتفعت أسعار الألبان إلى ستة أمثالها، والمواد الغذائية الأساسية إلى أكثر من عشرة أمثالها، والبطاطس بنسبة 103%. لكن الزيادات في الرواتب بقيت عند 20%، مما حكم على أصحاب الدخل الثابت بالجوع. وتحتاج أسرة من ثلاثة أفراد في طهران إلى 550 مليون ريال، أي 400 دولار، لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما لا يغطي الدخل الحالي ثلث ذلك.

وتكشف الأرقام صورة مروعة. فوفقا لأسعار الصرف السائدة في السوق، يبقى الحد الأدنى للأجور في البلاد عند نحو 156 مليون ريال، أي 113–114 دولارا. ولا يختلف الوضع بالنسبة إلى المعلمين، الذين يشكلون عماد المجتمع؛ إذ يبلغ متوسط راتب المعلم نحو 160 مليون ريال. ومن ثم، تضطر الغالبية العظمى منهم إلى العمل في وظيفة ثانية، بل ثالثة، لتأمين معيشتهم في ظل هذا الدخل الذي يقل كثيرا عن عتبة 200 دولار. أما المتقاعدون، وهم الفئة الأشد هشاشة، فوضعهم كارثي بكل معنى الكلمة؛ إذ يبلغ دخلهم الشهري 140.4 مليون ريال. وقد محا هذا التفاوت الهائل بين الدخل والنفقات الطبقة الوسطى الإيرانية تماما، وأنزل قطاعات واسعة من السكان إلى مرتبة «فقراء المدن». وباتت الصحف الإيرانية تتحدث عن ظهور تقرحات على أجساد الأطفال بسبب سوء التغذية، وتشير أيضا إلى ازدياد تعاطي المخدرات داخل أسر كثيرة.

لذلك، تتجاوز مشكلة إيران الحقيقية الحجاب، أو رفع أسعار الوقود، أو شح المياه، أو انقطاع الكهرباء. فهذه كلها مجرد أعراض. أما السبب الجذري فهو الفوضى الناتجة عن الهجرة الداخلية غير المنضبطة، والتوسع الحضري، وانتشار الأحياء العشوائية. وعند التدقيق في القاعدة الاجتماعية للثورة الإسلامية الإيرانية، يظهر هذا التحول بوضوح أيضا. بل يمكن إرجاع القوى المحركة للمشهد السياسي الإيراني الراهن إلى هذه التحولات البنيوية نفسها.

طبيعة الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات في إيران يوم السبت 28 ديسمبر 2025، وهو أول أيام أسبوع العمل في إيران، بإغلاق المحال في مركزي علاء الدين وتشارسو التجاريين في طهران. ولم يكن ذلك مصادفة، فهذان المركزان من تجمعات تجار الإلكترونيات. وأوقع الارتفاع المفاجئ للدولار أصحاب المحال، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، في مأزق. فبما أن كل المنتجات التي يبيعونها مستوردة، فإن تسعيرهم مرتبط بالكامل بسعر الصرف. وحين فتحوا محالهم صباح 28 ديسمبر، واجهوا مشكلة حاسمة يكابدونها منذ وقت طويل: لم يستطيعوا حساب السعر الذي يبيعون به مخزونهم الحالي، ولا المبلغ الذي سيحتاجون إلى دفعه للموردين مقابل الطلبيات الجديدة. وقال التجار إن كل معاملة كانت تسفر عن خسارة.

وفي هذه المراكز التجارية، حيث بلغت الإيجارات 5–6 مليارات ريال، أصبح استمرار النشاط التجاري متعذرا في ظل انهيار القوة الشرائية. ولفهم حجم هذه الفجوة المرعبة، ينبغي تذكّر أن الحد الأدنى للأجور في البلاد لا يتجاوز 156 مليون ريال. أي إن إيجار محل متوسط يعادل راتب عامل لنحو 35 شهرا.

وبعدما فقد أصحاب المحال القدرة على تسعير السلع أو تعويض المخزون في مواجهة التضخم المفرط، قدموا الإضراب باعتباره تحركا من أجل «البقاء الاقتصادي». وسرعان ما انتقلت هذه الخطوة الأولى إلى بازار طهران الكبير. ويحمل هذا التطور دلالة رمزية خاصة لحكومة طهران، إذ عُرف تجار البازار تاريخيا بأنهم من أشد قواعد الجمهورية الإسلامية دعما لها. وتدخلت قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين المتجمعين حول لاله زار وتشارسوق وشارع جمهوري أمام مركز علاء الدين التجاري. وفي ليلة 29 ديسمبر، امتدت الاحتجاجات إلى أصفهان وشيراز ومشهد وجزيرة قشم وزنجان وهمدان.

وإدراكا للوضع، تعاملت حكومة بزشكيان مع المسألة بأكبر قدر ممكن من اللين والتفهم. وتوالت التصريحات التي تعبر عن الوعي بالصعوبات الاقتصادية، وتفهم الاعتراضات، والسعي إلى اتخاذ خطوات على هذا الأساس. ورغم حرص قوات الأمن خصوصا على تجنب التدخل العنيف، تصاعد العنف في بعض المناطق. لكن ينبغي الإشارة إلى أن ارتفاع وتيرة العنف في مناطق معينة، مثل لردغان وأزنا، مرتبط أيضا بالثقافة السياسية السائدة فيها وبعدها عن جهاز الدولة. وفي بعض الأماكن، أشعل تدخل الشرطة الخاطئ العنف. ومع تطور الأحداث، أدلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، في أول حديث له يوم السبت، بتصريح يميز بين فئتين: «يمكن التحدث مع المحتجين، لكن لا فائدة من التحدث مع مثيري الشغب». وبالمثل، أرسلت الاستخبارات الإيرانية رسائل نصية إلى المواطنين بشأن المسألة.

هل ستغيّر الاحتجاجات النظام؟

كان الهدف النهائي لإسرائيل في حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة يقوم على إحداث تحول في النظام من الداخل عبر إشعال انتفاضة شعبية. وفي هذا السياق، استُهدفت آليات الأمن الداخلي تحديدا طوال الصراع. وليس سرا أن السعي كان إلى إحداث تحول عبر زيادة الضغط على البلاد وإضعاف الآليات القادرة على تحمله. لكن كثيرا ما تُغفل نقطتان أساسيتان في تحليلات إيران.

الأولى هي أن الإيرانيين، من العلمانيين إلى المحافظين، سيتوحدون حول القاسم المشترك المتمثل في «إيران»، حتى إن لم يكونوا راضين عن الجمهورية الإسلامية. فمثلما لا يرغب أحد في «دولة فاشلة» تعصف بها النزاعات الداخلية والمشكلات الأمنية، ولّدت المشاعر القومية الإيرانية غضبا شعبيا ضد الهجمات الإسرائيلية.

أما النقطة الثانية فتتعلق بمفهومي «مرجع التقليد» و«ولاية الفقيه»، اللذين غالبا ما يسيء من هم خارج البلاد فهمهما. فـ«آية الله» ليس مجرد رجل دين عادي بالنسبة إلى الشيعي. ولا يُدرك بما يكفي نفوذ علي السيستاني وقوته في العراق، أو ثقل الموقع الذي يشغله علي خامنئي في إيران. ومن ثم، تُقرأ كل حالة تمرد شعبي من الخارج خطأ باعتبارها «محاولة لإسقاط الجمهورية الإسلامية». وقد يعكس ذلك أمنيات بعض الجماعات في الجالية الإيرانية، لكنه لا يعكس الواقع.

ومع ذلك، من الواضح أن غضبا اجتماعيا تراكم في إيران، وأن فقرا شديدا يسودها للأسباب المذكورة أعلاه. ومن الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن هذا الفقر وأزمة الحكم يدفعان البلاد نحو الفوضى. ولهذا تحديدا يسلط مسعود بزشكيان وغيره من الشخصيات الإصلاحية الرئيسية الضوء باستمرار على مشكلات الحكم. لكن ما دام «الفراغ المؤسسي» العميق في البلاد قائما، وما دام الحرس الثوري يواصل هيمنته الاقتصادية، فإن اتخاذ خطوات إصلاحية يبدو مستبعدا في هذه المرحلة. ولهذا السبب، يصعب القول إن أجواء الاحتجاج في إيران ستنحسر دون إصلاحات جذرية وخطوات نحو بناء المؤسسات.


نُشر هذا المقال لأول مرة في Daily Sabah بتاريخ 7 يناير 2026.