Oral TOĞAالموقع الشخصي
AR

الأيديولوجيا على حساب البصيرة: كيف ترك العمى الاستراتيجي إيران مكشوفة؟

Oral Toğa28 يوليو 2025زمن القراءة: 4 د

كشفت الغارات الجوية الإسرائيلية ما يتجاوز الضعف العسكري؛ فقد أظهرت إخفاقا بنيويا في قدرة إيران على التفكير استراتيجيا في عالم مترابط.

في يونيو 2025، كشفت الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران، إلى جانب البنية التحتية المادية، عيوبا بنيوية أعمق داخل جهاز اتخاذ القرار الاستراتيجي الإيراني.

وأظهر هذا العدوان، الذي يأتي ضمن نمط أوسع من التحركات العسكرية خارج الحدود، مجددا استعداد تل أبيب للتصعيد دون توافق إقليمي.

وكشف الصراع إخفاقات واسعة في التزامن، وردود فعل متأخرة من مراكز القيادة، واضطرابا في تدفق المعلومات؛ وهي كلها أعراض دولة غير مستعدة لضربة عالية الشدة.

ورغم دور العوامل الداخلية، مثل تداخل اختصاصات أجهزة الاستخبارات، وضعف التنسيق بين المؤسسات المدنية والأمنية، وتعمق التنافس بين الأجهزة، فإن هذه المشكلات العملياتية تشير إلى سبب جذري أكثر جوهرية: البنية المعرفية لإيران، التي تظل مغلقة وأحادية الاتجاه ومقيّدة أيديولوجيا.

لم تكن الصدمة التي واجهتها إيران متجذرة في عدم الاستعداد العسكري وحده، بل في مواطن عمى معرفية أعمق.

التفكير الاستراتيجي في حلقة مغلقة

يمكن تعريف العزلة المعرفية بأنها ميل الدولة إلى إنتاج المعرفة وتقييمها حصرا داخل منظومتها المرجعية الأيديولوجية والمؤسسية والثقافية، مع استبعاد مصادر المعلومات الخارجية بصورة منهجية. ولطالما جسدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا النموذج.

يتواصل النظام مع الفاعلين المنسجمين مع إطاره الأيديولوجي، لكنه يتجنب التفاعل المؤسسي الجاد مع مجالات المعرفة الأكاديمية والاستراتيجية والتكنولوجية العالمية.

ويقوّض هذا الوضع قدرة إيران على بناء سيناريوهات بديلة، وتحليل سلوك الخصوم، والتكيف الاستراتيجي. وفي بيئة كهذه، لا يتسم فاعلو المعرفة بالتنوع ولا بالتكامل الوظيفي، يصبح التفكير الاستراتيجي دائريا وذا مرجعية ذاتية.

وفي حالة إيران، يتجلى ذلك في الاعتماد المستمر على افتراضات ثابتة وتأويلات متصلبة للتجارب الماضية عند تقييم التهديدات الراهنة.

فسواء تعلق الأمر بهجوم سيبراني أو حركة احتجاجية أو اضطراب اقتصادي أو تسريب استخباراتي، غالبا ما تتضمن الاستجابة الفورية تحميل إسرائيل أو الولايات المتحدة المسؤولية، بصرف النظر عن الأدلة المتاحة.

بل وصف مسؤولون إيرانيون جائحة كوفيد-19 بأنها سلاح بيولوجي أمريكي إسرائيلي، وصوروا منصات مثل تيك توك أدوات للنفوذ الصهيوني. وتوضح هذه الاستجابات التلقائية كيف يبقى تصور التهديد الإيراني راسخا في مجموعة ضيقة من القوالب الأيديولوجية والتاريخية.

وفي الداخل، يخضع إنتاج المعرفة لرقابة أيديولوجية صارمة. فلا يُسمح للجامعات ومراكز الفكر ووسائل الإعلام وأوساط الخبراء بالعمل باستقلال. وتُقمع التحليلات التي تخرج عن الإطار الأيديولوجي المهيمن أو تُهمّش بصورة منهجية.

وقد أتاح ذلك لأوساط فكرية معينة موالية للنظام، منها معاهد أبحاث ترعاها الدولة وشبكات أكاديمية موالية، احتكار الخطاب الأمني، الذي أصبح تدريجيا لا يُميز عن التصور الرسمي للدولة بشأن التهديد.

ونتيجة لذلك، تصبح العمليات الاستخباراتية عصية على استيعاب السيناريوهات البديلة، أو المنظورات النقدية، أو المقاربات المعرفية المستقلة.

وتتولى تحليل الأمن والسياسة الخارجية دائرة ضيقة يُختار أفرادها أساسا على قاعدة الولاء السياسي، مما يفضي إلى ثقافة استراتيجية تتسم بمحدودية الاستشراف وجمود هياكل اتخاذ القرار.

ولا يقلص قمع التنوع المعرفي بهذه الطريقة الحيوية الفكرية للنظام وحدها، بل قدرته على المرونة الاستراتيجية أيضا.

ولا يقتصر الانغلاق المعرفي الإيراني على النظرية أو الثقافة المؤسسية، بل يمتد إلى الممارسة العسكرية. فرغم أن إيران تجري أحيانا تدريبات ثنائية محدودة مع شركاء مختارين، فإنها لا تشارك، أو لا تستطيع المشاركة، في تعاون عسكري متعدد الأطراف مستدام ومؤسسي، فتفقد بذلك فرصا منهجية للاطلاع المباشر على تطور العقائد القتالية، وتكتيكات العمليات المشتركة، والاستجابات المستجدة للتهديدات الهجينة.

فهذه التدريبات ليست مجرد استعراضات للقوة، بل تعمل مختبرات معرفية للتكيف والمقارنة والتعلم.

وبغيابها عنها، تواصل إيران إعادة نماذج قديمة متجذرة في تجاربها الداخلية الثورية والحربية. وتبقى عقائد مثل «الدفاع غير المتكافئ» و«المقاومة الشعبية» و«الردع الباليستي»، الموروثة من الحرب الإيرانية العراقية، في صميم تفكيرها الاستراتيجي.

وفي المقابل، تطورت الحرب الحديثة إلى عمليات متعددة المجالات تدعمها منظومات قيادة قائمة على الذكاء الاصطناعي، وقدرات ضرب دقيقة، وتكامل للمعلومات في الوقت الحقيقي.
ومع غياب الانخراط في هذه الابتكارات، تفقد إيران تدريجيا رشاقتها الاستراتيجية، وتميل إلى تفسير الديناميات الأمنية الراهنة من خلال نماذج متقادمة، مما يجعل استجاباتها أكثر قابلية للتوقع.

وتعزز استراتيجية الانخراط الخارجي الإيرانية هذا الانغلاق الإدراكي.

فلا تُتناول الحوارات الدبلوماسية، خصوصا مع الدول الغربية أو المنافسة، بوصفها فرصا للفهم المتبادل أو اختبار السيناريوهات. بل كثيرا ما تكون منصات لعرض سرديات أيديولوجية وتعزيز شرعية النظام أمام الجمهور الداخلي. ولا يحد هذا الموقف من المفاوضات الرفيعة المستوى وحدها، بل من تدفقات المعلومات غير الرسمية والملاحظات التي تثري التحليل الاستراتيجي عادة أيضا.

وتضعف القدرة على التقييم الدقيق لنيات الأطراف المقابلة وتصوراتها ومواطن ضعفها، إذ يصبح الاتصال أحادي الاتجاه وخطابيا. ومن ثم، ينفصل التحليل الاستراتيجي أكثر فأكثر عن الحقائق العالمية المتغيرة، ويزداد استناده إلى سيناريوهات أيديولوجية معدة سلفا.

خطر على الثقافة الاستراتيجية

من أهم نتائج هذا الانغلاق المعرفي رفض النظام المتعمد التواصل مع مفكرين أو مؤسسات أو أطر معرفية تختلف عن اصطفافه الأيديولوجي.

ولا ينطبق ذلك على الأصوات المعارضة وحدها، بل أيضا على وجهات نظر غير عدائية قد تكون مفيدة.

فالتعاون الأكاديمي والتبادل المؤسسي والمشاركة في المنتديات الاستراتيجية العالمية إما تخضع لرقابة شديدة، أو تُعهد إلى ممثلين لا يفعلون سوى تعزيز السردية الرسمية للنظام.

وترى المؤسسة السياسية الإيرانية أن المعرفة والتحليل الاستراتيجيين الخارجيين لا يشكلان خطرا إداريا فحسب، بل تهديدا بالاختراق الأيديولوجي أيضا. ونتيجة لذلك، يُنظّم إنتاج المعرفة وتداولها بطريقة شديدة الضبط ومحصورة داخليا.

ومن منظور النظام، يمثل هذا النهج خيارا عقلانيا ينسجم مع حاجته إلى التماسك الأيديولوجي واستقرار النظام.

لكن هذه الانتقائية تحبس إيران داخل عالم معرفي ضيق يقتصر على الأطراف التي تراها صديقة أو منسجمة معها. وفي بيئة كهذه، يبقى الاطلاع على التحولات العقائدية والتكنولوجية والاستراتيجية خارج حدودها في أدنى مستوياته.

وستنتج الثقافة الاستراتيجية المفتقرة إلى التنوع والعاملة على معلومات مُرشّحة، بمرور الوقت، آليات لاتخاذ القرار مغلقة وجامدة وأكثر عرضة للمفاجآت الاستراتيجية.

ولذلك، ينبغي النظر إلى صراع يونيو 2025، ليس بوصفه اختبارا للاستعداد العسكري الإيراني وحده، بل مؤشرا أوسع على تراجع القدرة على الاستشراف الاستراتيجي.

كشفت الأزمة إخفاقات خطيرة في التنسيق، وبطئا في الاستجابات المؤسسية، وعجزا عن ترتيب أولويات التهديدات تحت الضغط. ولا يمكن تفسير هذه المشكلات بالقصور البيروقراطي أو الخلافات الاستخباراتية وحدهما.

وفي الجوهر، أضعفت عزلة إيران المعرفية، المتسمة بعدم الثقة بالمعرفة الخارجية والإفراط في الاعتماد على خبرات داخلية قائمة على الولاء، قدرتها على التوقع والتكيف بدرجة كبيرة.

وفي غياب عقلية استراتيجية أكثر انفتاحا وتكاملا، يبقى خطر الإخفاقات المستقبلية، التي قد تكون أعلى كلفة، مرتفعا إلى حد غير مقبول.


نُشر هذا المقال أصلا في TRT World بتاريخ 24 يوليو 2025.