
عندما أنشأنا الموقع أول مرة عام 2017، كتبت نصًا يجيب مباشرة عن سؤال «ما صدى السيمرغ؟». وقد اختفى النص مع الموقع. ومؤخرًا، بعدما تمكنت من الوصول إلى الموقع والنص، أُتيحت لي فرصة قراءته مجددًا. وأردت أن أشاركه هنا أيضًا، وأن يبقى محفوظًا في الأرشيف لمن يسأل: «ما صدى السيمرغ؟»:

في الخفاء والعلن... اجتمعت كل طيور العالم.
وقالت جميعها: «ليس ثمة الآن بلاد بلا ملك.
فكيف تظل بلادنا بلا ملك؟
لم يعد بوسعنا أن نبقى بلا ملك من الآن فصاعدًا.
فلنتعاون، ولنبحث لنا على الأقل عن ملك ونتقصَّ أثره.
فإذا كانت البلاد بلا ملك، اختل نظام جيشها»...
واجتمعت كلها في مكان واحد، وشرعت تبحث لنفسها عن ملك.
(Mantıku't-Tayr، ترجمة Abdülbaki Gölpınarlı)

هكذا تبدأ حكاية بحث طيور العالم عن السيمرغ.
السيمرغ...
الطائر الأسطوري المذكور في كثير من الأعمال، وفي مقدمتها الشاهنامه...
كلما أوشك أحدهم على الوقوع في مأزق، كان هو الذي يدركه دائمًا، فيحميه ويرعاه.
السيمرغ فكرة مثالية.
إنه اسم الطائر الذي يعرف كل شيء،
ويعيش على أغصان شجرة المعرفة،
ولا يحط على الأرض أبدًا،
وينبعث دومًا من رماده من جديد
وبحيوية أكبر.
ويُعرف بأسماء كثيرة، مثل
Phoenix، وZümrüd-ü Anka،
Syenah، وKerkes، وDumrul،
وSenmurw، وSina-mrü.
إنه الملك.
إنه المثال المنشود.
إنه مَن يُسلَك دربه.
والسير في دربه ليس سهلًا على الإطلاق.
إنه يعيش وراء جبل قاف.
وثمة عقبات شديدة الصعوبة، الواحدة تلو الأخرى، للوصول إليه.
وهكذا تبدأ الطيور من شتى الأنواع،
بالطيران نحو السيمرغ.
طيور كثيرة
مختلفة الصفات،
ومختلفة الألوان،
ومختلفة الأحجام،
اتحدت من أجل «غاية واحدة»
فصارت «واحدًا»،
وهي تمضي في الطريق.
لو سألت تلك الطيور، واحدًا واحدًا،
لوجدت أن كلًا منها يمتلك العزم والقدرة على الطيران إلى السيمرغ.
لكن الحقيقة ليست كذلك.
إنها تفنى وتمضي، واحدًا تلو الآخر.
فمنها من لا يحتمل المصاعب
ومنها من يستغرق في اللهو
ومنها من يفقد إيمانه
ومنها من ينصرف إلى مشاغل أخرى.
وفي النهاية، لا يستطيع اجتياز هذا الطريق سوى ثلاثين منها
فتصل إلى عتبة باب السيمرغ
وإذا بها ترى أن السيمرغ هو هي نفسها.
إذ يتبين أن هذه الطيور الثلاثين هي السيمرغ ذاته.
ذلك أن «سي» تعني ثلاثين بالفارسية
و«مرغ» (morg) تعني الطائر
أي إن هذه الطيور الثلاثين
هي «سي-مرغ» بعينه
لا تسعة وعشرون
ولا واحد وثلاثون...
بل هذه الطيور الثلاثون،
التي استطاعت أن تسلك الطريق،
وأن تبلغ مثالها المنشود،
وأن تتجاوز الصعاب،
هي السيمرغ...
يتألف «صدى السيمرغ» من طيور مختلفة الصفات تسعى وراء مثال منشود.
بعضها صغير وأعزل كالعصفور
وبعضها حاد البصر وكبير الحجم كالنسر
لكن
الغايات واحدة.
والدروب واحدة.
ويصف العطار مغامرة الطيور التي بلغت السيمرغ على النحو التالي:
«طارت سنوات في الصعود والهبوط.
وأنفقت عمرًا طويلًا في ذلك الطريق.
وهل يمكن وصف ما لاقته في هذا الطريق؟
وإن سلكت أنت أيضًا هذا الطريق يومًا،
فسترى ممراته الوعرة واحدًا واحدًا وتدركها.
وعندئذ تفهم ما حل بها،
وتعرف بوضوح تام إلى أي حال آلت، وكيف ظلت تجوب وتدور.
وفي النهاية، لم يستطع بلوغ الحضرة إلا القليل من تلك الطيور.
ولم يصل إلى ذلك المقام إلا القليل منها.
فواحد من كل ألف فقط استطاع أن يقطع الطريق ويصل إلى هناك.
وغرق بعضها في البحار فبقي فيها.
وضاع بعضها في الطرقات ومضى.
ومات بعضها من الحر والعطش على قمم الجبال الشاهقة.
واحترقت أجنحة بعضها بحرارة الشمس، وانشوت قلوبها.
ومزقت الأسود والنمور في الطريق بعضها الآخر تمزيقًا مهينًا وأهلكته في لحظة.
وغاص بعضها في أوحال المياه الفاسدة، واختفى ومضى.
وأصاب بعضها العطش في تلك الصحارى.
ووصلت إلى البحر بشفاه جافة تمامًا، ومع ذلك ماتت عطشًا في عذاب!
وقتل بعضها نفسه بجنون شغفًا بحبة واحدة.
وأصاب بعضها مرض شديد، فتخلفت وانفصلت عن القافلة.
واستغرق بعضها في غرائب الطريق، فبقيت هناك لا تبرحها.
وانجذب بعضها إلى الفرجة والعزف والرقص؛
فأحنى رأسه وكفَّ عن البحث عن وجهته.
وفي النهاية، طائر واحد فقط من بين مئات الآلاف من الطيور لم يرجع.
وهكذا لم يستطع الوصول إلى هناك سوى ثلاثين طائرًا.
كانت الطيور التي انطلقت في الطريق تملأ عالمًا بأسره. لكن ثلاثين طائرًا وصلت في النهاية إلى هناك.
ثلاثون طائرًا، منكسرة القلوب، منهكة الأرواح، متعبة الأجساد،
بلا أذرع ولا أجنحة، مريضة وبائسة».
(Mantıku't-Tayr، ترجمة Abdülbaki Gölpınarlı)
كل عمل يُنجَز هو خفقة جناح نحو السيمرغ...
كل عمل يُنجَز هو صدى من السيمرغ...
صدى السيمرغ...
