ستشهد إيران، التي فرغت لتوها من الانتخابات البرلمانية، انتخابات جديدة خلال 50 يومًا، وفي الأثناء ستُسنَد المناصب التي شغرت بالإنابة إلى أشخاص آخرين. وسيقدم الراغبون في الترشح لرئاسة الجمهورية طلباتهم، وتبدأ العملية الانتخابية بعد حصولهم على موافقة مجلس صيانة الدستور.

التقى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في 19 مايو 2024 على الحدود الأذربيجانية الإيرانية لافتتاح سدّي قيز قلعة سي وخداآفرين. وعقب اللقاء الذي جرى في أجواء ودية للغاية، كان رئيسي والوفد المرافق له يتوجهون نحو محافظة أذربيجان الشرقية الإيرانية ضمن موكب من ثلاث مروحيات. وبحسب المعطيات الأولية، كانت المروحية التي تحطمت هناك تقل، إلى جانب الرئيس إبراهيم رئيسي، وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ومحافظ أذربيجان الشرقية مالك رحمتي، وإمام جمعة تبريز السيد محمد علي آل هاشم.
وفي تقييمه للحادث، قال وزير النقل والبنية التحتية في الجمهورية التركية عبد القادر أورال أوغلو: «تابعنا في المرحلة الأولى ما إذا كانت المروحية ترسل إشارة أم لا. وتواصلنا فورًا مع الجانب الإيراني، لكن للأسف تبين أن نظام الإشارة ربما كان مغلقًا، أو أن المروحية لم تكن مزودة بذلك النظام». ولهذا اضطرت السلطات الإيرانية إلى البحث عن مروحية رئيسي في رقعة واسعة جدًا.
ليلة الفوضى
رغم تسخير جميع إمكانات الدولة، تعذر إجراء عمليات البحث والمسح جوًا بسبب قسوة الأحوال الجوية القائمة، ما زاد الظروف الصعبة أصلًا تعقيدًا. وخلال هذه العملية، توالت معلومات متضاربة ومربكة من الصحافة الإيرانية ومن المسؤولين على حد سواء. وحذفت مؤسسات إعلامية كثيرة منشوراتها على تويتر بعد وقت قصير، وصدرت بيانات تنفي تلك الأخبار. وباختصار، سادت فوضى عارمة طوال الليل، وبسبب هذه الفوضى لم يكن تدفق المعلومات سليمًا. وخلال ذلك كله، دُعي السكان في إيران إلى الدعاء، وتجمعوا في الساحات والأضرحة ورفعوا الدعاء.
مع حلول الظلام واشتداد البرد، بدأ الوضع يصبح أكثر خطورة. ولأن الوقت كان يداهمهم، طلبت السلطات الإيرانية من تركيا مروحية بحث وإنقاذ مزودة بتقنية الرؤية الليلية. وأرسلت تركيا طائرة أقنجي المسيّرة المسلحة ومروحية كوغار للإغاثة لمساعدة إيران. كما أرسلت إلى المنطقة 32 عنصر بحث وإنقاذ من متسلقي الجبال، مع 6 مركبات.
طائرة أقنجي المسيّرة تحدد موقع الحطام
بسبب احتمال تعذر تحليق المروحية المزمع إرسالها جراء الأحوال الجوية، أبلغت السلطات التركية الجانب الإيراني بإمكان إجراء عمليات البحث وتحديد الموقع بطائرة أقنجي المسيّرة. وبعد قبول إيران العرض، توجهت طائرة أقنجي مسيّرة واحدة نحو المنطقة قرابة الساعة 23:30 بتوقيت تركيا، ووصلت إلى موقع الحادث بعد نحو ساعة، وبدأت البحث. ومسحت الطائرة المسيّرة منطقة واسعة جدًا على مدى ساعتين، ثم حددت موقع المروحية نحو الساعة 02:30 عبر رصدها بصريًا، وجرت مشاركة إحداثيات الحطام مع السلطات الإيرانية. واستغرقت الرحلة أكثر من 7 ساعات إجمالًا، وعادت الطائرة إلى المجال الجوي التركي في الساعة 06:45 صباحًا.
منذ بدء طائرة أقنجي المسيّرة عملها، أثار المسار الذي ستتخذه التطورات اهتمام العالم بأسره. ورغم أن بعض الصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي داخل إيران لم يستحسنوا هذا الأمر خشية أن يخلق ثغرة استخباراتية، فإن إدارة العملية بشفافية كبيرة حالت دون استمرار هذه النقاشات. كذلك، شكّل نشر مقاطع الفيديو للحظة العثور على الحطام ردًا على تصريحات صدرت لاحقًا عن بعض الأطراف داخل إيران، مفادها أن طائرة أقنجي المسيّرة لم تسهم بشيء وأن إيران عثرت على الحطام بنفسها من دون أي مساعدة خارجية. وبينما تابع مئات الآلاف أنشطة طائرة أقنجي المسيّرة عبر وكالة الأناضول، شاهدها نحو 200 ألف شخص في وقت واحد على تطبيق تتبع الرحلات FlightRadar24. وأُعلن عبر حساب التطبيق على وسائل التواصل الاجتماعي أن إجمالي من تابعوا طائرة أقنجي المسيّرة بلغ 2.8 مليون شخص. وفي الوقت نفسه، احتلت طائرة أقنجي المسيّرة مراتب متقدمة في عمليات البحث على غوغل عالميًا.
إيران تتجه مجددًا إلى الانتخابات
تنص المادة 131 من الدستور الإيراني، بشأن مثل هذه الحالات، على أنه «في حال وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته أو غيابه أو مرضه لأكثر من شهرين، يتولى نائب الرئيس صلاحياته بموافقة المرشد. ويلتزم مجلس يتألف من رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية ونائب الرئيس بضمان انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال 50 يومًا على الأكثر». وبالفعل، أكد المرشد الأعلى علي خامنئي أن العملية ستُنفَّذ كما هي.
ستشهد إيران، التي فرغت لتوها من الانتخابات البرلمانية، انتخابات جديدة خلال 50 يومًا، وفي الأثناء ستُسنَد المناصب التي شغرت بالإنابة إلى أشخاص آخرين. وقد تولى نائب الرئيس محمد مخبر مهام إبراهيم رئيسي، فيما تولى منصب وزير الخارجية الذي شغر بوفاة حسين أمير عبد اللهيان، بالإنابة، نائبه للشؤون السياسية وكبير المفاوضين في القضايا النووية علي باقري. وخلال هذه العملية، سيقدم الراغبون في الترشح لرئاسة الجمهورية طلباتهم، وتبدأ العملية الانتخابية بعد أن يوافق مجلس صيانة الدستور على أهلية المرشحين.
من هو محمد مخبر؟
وُلد محمد مخبر عام 1955 في مدينة دزفول التابعة لمحافظة خوزستان الإيرانية. ولديه رسالتا ماجستير ودكتوراه في القانون الدولي، كما يحمل درجتي ماجستير ودكتوراه أخريين في إدارة الأعمال. وخدم على الجبهة خلال الحرب الإيرانية العراقية. وطوال تسعينيات القرن الماضي، شغل منصب الرئيس التنفيذي لاتصالات دزفول في مسقط رأسه دزفول. ثم عُيّن نائبًا لمحافظ خوزستان. وابتداءً من العقد الأول من الألفية، تولى رئاسة بنك سينا لنحو عشر سنوات. وشغل منصبًا رفيعًا في مؤسسة المستضعفين قبل أن يتولى عام 2007 رئاسة هيئة تنفيذ أمر الإمام الخميني.
مخبر من الشخصيات التي فرض عليها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات. ورغم إدراجه في قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي عام 2010 بسبب المشاركة في أنشطة نووية، فقد رُفع اسمه من هذه القائمة عام 2012. ومع وصول إبراهيم رئيسي إلى السلطة بعد انتخابات 2021، عُيّن في 8 أغسطس 2021 نائبًا أول لرئيس الجمهورية، وأصبح سابع شخص يتولى هذا المنصب. وقد شغل مخبر مناصب رفيعة مختلفة في مجالي الاقتصاد والصناعة، وقدم إسهامات مهمة، ولا سيما في مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية. كما وضع ونفذ سياسات لتعزيز الصمود الاقتصادي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

نُشر هذا المقال أول مرة في 22 مايو 2024 في صحيفة يني شفق.
